يُصنف داء السكري من النمط الثاني كواحد من أكثر التحديات الصحية انتشاراً في العصر الحديث، حيث يستحوذ وحده على نسبة تتراوح بين 90 و95% من إجمالي الإصابات بالسكري حول العالم. وترتبط هذه الإصابات بشكل وثيق بعوامل بيئية وسلوكية، تأتي في مقدمتها زيادة الوزن المفرطة وتراجع النشاط البدني، لا سيما مع تجاوز الأفراد سن الخمسين، مما يستدعي اهتماماً خاصاً بنمط الحياة اليومي.
وتشير المصادر الطبية إلى أن التغيرات الفسيولوجية التي تطرأ على جسم الإنسان بعد سن الخمسين تلعب دوراً حاسماً في تطور المرض، حيث يؤدي ضمور الكتلة العضلية إلى إضعاف قدرة الجسم على معالجة الغلوكوز وتخزينه. وبما أن العضلات هي المستهلك الرئيسي للسكر في الدم، فإن تراجع جودتها وحجمها يفتح الباب واسعاً أمام نشوء حالة مقاومة الأنسولين التي تسبق الإصابة بالسكري.
إلى جانب العوامل العضلية، تبرز الدهون الحشوية المتراكمة حول الأعضاء الداخلية كسبب رئيسي ثانٍ لهذه الحالة الصحية، حيث تفرز هذه الدهون مواد تزيد من معدلات الالتهابات في الجسم. ويتزامن ذلك مع ضعف المناعة وتغير التوازنات الهرمونية لدى الرجال والنساء مع التقدم في العمر، مما يعقد استجابة الخلايا لهرمون الأنسولين المسؤول عن تنظيم السكر.
ويمكن الاستدلال على وجود مقاومة الأنسولين قبل سنوات من التشخيص الفعلي للمرض عبر مراقبة علامات جسدية محددة، مثل تراكم الدهون العنيدة في منطقة البطن. كما تظهر في بعض الحالات بقع جلدية داكنة ذات ملمس مخملي تُعرف بـ 'الشواك الأسود' في مناطق الثنايا كالرقبة والإبط، وهي مؤشرات تستوجب إجراء فحوصات مخبرية دقيقة مثل تحليل (HOMA-IR) والسكر التراكمي.
ويلعب الجانب النفسي والنمط المعيشي دوراً لا يستهان به في تحفيز المرض، إذ يؤدي التوتر المستمر إلى رفع مستويات هرمون 'الكورتيزول' في الدم. هذا الارتفاع يدفع الجسم لضخ كميات كبيرة من الغلوكوز لتوفير طاقة فورية لمواجهة الضغوط، ومع استمرار هذه الحالة، يحدث خلل وظيفي ينتهي غالباً بالإصابة بمرض السكري من النوع الثاني.
وفي سياق متصل، تؤثر اضطرابات النوم وقلة الراحة على التوازن الهرموني للجسم، حيث تؤدي إلى زيادة إفراز هرمون الجوع المعروف بـ 'الجريلين'. هذا الخلل يدفع الشخص لتناول كميات أكبر من الطعام، مما يؤدي لزيادة الوزن وتفاقم مشكلة مقاومة الأنسولين، وهو ما يؤكد ضرورة الحصول على قسط كافٍ من النوم كإجراء وقائي أساسي.
التعليقات (0)