"لو عاد بي الزمن للوراء لما كنت درست هذا التخصص في الجامعة ويا ريت ألقيت حد يرشدني في اختيار تخصصي الجامعي"، مثل هذا الحديث بات رائجاً في أوساط خريجي الجامعات الفلسطينية، التي وفقا لجهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني تخرج قرابة ( 40) الف خريج وخريجة سنويا في تخصصات متنوعة ومتعددة، في حين ان خريجي الجامعات يجدون أنفسهم أمام سوق عمل مغلق، ما يضاعف من أزمتهم ويجعلهم ضحايا ازدياد مؤشرات البطالة في فلسطين.
مواقف وآراء الكثير من الخريجين إزاء الدراسة الجامعية والحصول على الشهادة الجامعية الأولى، تؤشر بوضوح إلى سلسلة تحديات حقيقية باتت ماثلة أمام مؤسسات التعليم العالي في فلسطين التي يقع على كاهلها الإشراف والمتابعة وتنظيم هذا القطاع وفق استراتيجيات وطنية قادرة على تضييق اتساع الفجوة ما بين التخصصات الجامعية واحتياجات سوق العمر وقدرته الاستيعابية للخريجين الجدد.
المؤشرات والإحصاءات الفلسطينية الأهلية والرسمية تؤكد وجود فجوة حقيقية ما بين اختيار التخصص الجامعي وبين الواقع الذي ينتظر الخريج في سوق العمل، وما يفتح الطريق واسعا أمام تساؤلات لدى الشباب المقبلين على اختيار تخصصاتهم الجامعية، ويظهر بالقدر نفسه الحاجة لبرامج إرشاد وتوجيه الطلبة الجدد الراغبين بالالتحاق بالدراسة الجامعية، ومساعدتهم في اختيار تخصصاتهم استناداً إلى التخطيط للمستقبل المبني على معرفة علمية باحتياجات ومتطلبات أسواق العمل في فلسطين والأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي والأمني والاقتصادي الذي تعيشه حاليا وقد يستمر لسنوات مقبلة.
ولا يمكن في الإطار ذاته حصر المسؤولية عن هذا التشوه وتحميله لطرف دون غيره، بل ان مواجهة مثل هذه التحديات تتطلب فتح ورشة عمل وطنية يشارك فيها ممثلون عن لجان أولياء الطلبة في المدارس وممثلون عن الطلبة والمؤسسات التعليمية ومؤسسات التعليم العالي والحكومة الفلسطينية، وممثلون عن مؤسسات القطاع الاقتصادي ومؤسسات المجتمع المدني، في إطار حوار وطني لمناقشة طبيعة التحديات والمخاطر المحدقة بمستقبل الأجيال القادمة وتحديد السياسات والاستراتيجيات الوطنية لمعالجة الواقع المرير للطلبة الخريجين خاصة بعد صدور دعوات وخروج اصوات تدق ناقوس الخطر وتطالب بضرورة اتخاذ إجراءات واضحة لمعالجة آثار هذه الأزمة الحقيقية ووضع سياسات وطنية تساعد الطلبة وذويهم للتغلب على آثارها الصادمة.
وشكلت دعوات نقابة المحامين الفلسطينيين المتكررة لطلبة الثانوية العامة بأهمية التروي والابتعاد عن اختيار تخصص المحاماة والحقوق في فلسطين بداية جدية لتحريك المياه الراكدة، حيث بررت صدور دعواتها تلك بوصول سوق العمل في قطاع المحاماة والحقوق إلى معدلات الإشباع، حيث تشير الأرقام والاحصاءات الفلسطينية إلى أن تخصص القانون وحقوق الانسان التحق به قرابة (8800) طالب وطالبة يتخرج منهم نحو (1000) طالب وطالبة سنويا في حين ان قدرة السوق الاستيعابية لا تتجاوز( 530) فرصة عمل، في المقابل فان تخصصات الطب والصيدلة وطب الأسنان باتت تخصصات مغلقة بسبب عدم قدرة سوق العمل على استيعاب الخريجين، والأمر نفسه ينطبق على تخصصات الصحافة والإعلام التي كان يلتحق بها قرابة ( 6600) طالب وطالبة ويتخرج منهم نحو ( 1200) يستوعب سوق العمل (225) خريجا وخريجة، في حين ان تخصصات الأعمال التجارية والإدارية تواجه إشكاليات حقيقية حينما تظهر الأرقام التحاق نحو ( 59) ألف طالب وطالبة بهذا التخصص عام (2022)، ويتخرج منهم نحو (10800) بينما سوق العمل يستوعب منهم نحو( 2300) فرصة عمل.
ان مثل هذه المؤشرات الإحصائية ومخرجات التعليم العالي ومقارنتها مع إمكانية الحصول على فرصة عمل تؤشر إلى مسؤولية الطالب وذويه في اختيار التخصص بطريقة واعية، وضرورة أن يأخذ الطالب بعين الاعتبار التحولات واحتياجات سوق العمل إلى جانب ميوله الشخصية، كما يعزز أهمية الرجوع إلى جهات الإرشاد المهني والتعليمي والاستئناس برأيهم في اختيار التخصصات، في حين ان مسؤولية المدارس ووزارة التربية والتعليم لا بد أن تكون حاضرة في رصد قدرات الطلبة في المدارس واكتشاف ميولهم واهتماماتهم التعليمية وتوجيههم التعليمي والاكاديمي في اختيار التخصصات والمهن وفق رؤية واعية ومبنية على دراسات بحثية علمية للاسواق واحتياجات المجتمع.
💬 التعليقات (0)