كانت شمس صباح السبت 1 أغسطس/آب الجاري بالكاد تسطع على طهران، حين انطلقتُ بصحبة الباحث الإيراني محمد عباسي قاصدين "قلعة أَلَموت والتحصينات المرتبطة بها"، والتي أدرجتها مؤخراً منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) على قائمة التراث العالمي، لتصبح الموقع الإيراني الثلاثين المُسجل في هذه القائمة المرموقة.
لم يكن نبأ التسجيل بحد ذاته هو ما أخرجني من سريري باكراً، بل مكالمة هاتفية قصيرة دارت بيني وبين الباحث المتخصص في التراث الإيراني. كان صوته يفيض حماسة وهو يتحدث عن قلعة "ألموت" التي يحلو له تسميتها بـ"حصن حسن الصباح". وكان يعي تماماً ما يقول؛ فقد قضى سنوات دراسته الجامعية في جامعة الإمام الخميني بمدينة قزوين، منقباً وباحثاً في تاريخ هذه القلعة الغامضة.
بعد مغادرتنا طهران، كان الطريق السريع المؤدي إلى مدينتيْ كرج ثم قزوين يعج بالسيارات كعادته صباحاً، وكأن طهران كلها قررت الهروب من حرارة الصيف. وبعد ساعتين من المراوغة وسط الزحام، وصلنا إلى مدينة قزوين في تمام التاسعة صباحاً.
حينها، حسبتُ أننا اقتربنا من الموقع الأثري، لكن رفيق الرحلة ابتسم ابتسامة ذات مغزى وقال: "أمامنا 110 كيلومترات فقط، لكنها قد تستغرق ساعات طويلة". كان الطريق أمامنا جبلياً وعراً، لا يزيد عرضه في بعض أجزائه عن ممر ضيق، ولمحتُ لافتة مرورية تحذر: "السرعة القصوى 30 كيلومتراً"، رغم أن الطريق كان شبه خالٍ من السيارات.
في الطريق، كشف الباحث عباسي أن هذا الإنجاز العالمي لم يكن وليد اللحظة، مضيفاً وعيناه لا تفارقان الطريق المتعرج: "هذا التسجيل ليس حدثاً عابراً، إنه ثمرة أكثر من ربع قرن من عمل فرق متخصصة.. وما سُجل في اليونسكو هو منظومة متكاملة؛ فقلعة حسن الصباح هي شبكة دفاعية وحضارية من سبع قلاع، وحصون تبدأ من القلعة الأم وتمتد عبر حصون: لمبه سر، قسطين لار، شمس كلايه، شيركوه، وإيلان، وصولاً إلى قلعة نويذر شاه. نواتها المركزية في ألموت، وتحيط بها الاستحكامات والمزارع في علاقة وظيفية مباشرة".
بعد أكثر من ثلاث ساعات من صعود الطريق الجبلي، وصلنا أخيراً إلى قرية "غازر خان" الملاصقة للمعلم الأثري. كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، وهناك التقينا بـ"جمشيد"، مزارع -في الثالثة والخمسين من عمره- يجلس في حديقة كرز غنّاء قرب الموقع.
💬 التعليقات (0)