يبدو أن الوعد الذي قدمه جاريد كوشنر لوفد حركة حماس بوقف الاغتيالات عندما اجتمع به الأسبوع الماضي قد تبدد على أبواب الدعاية الانتخابية التي تبدأ قبل موعدها، فعادة ما يكون العنف هو وسيلتها الأكثر تعبيراً عن رغبة أي ائتلاف حاكم بالفوز وعادة ما تكون غزة هي المكان الأكثر جاذبية لتوفر المبرر الدائم في السنوات الأخيرة، فهي تحكمها حركة حماس التي لم تتوقف عن الحديث عن تدمير اسرائيل و»تخويف» اسرائيل هكذا كانت الدولة المدججة لا تجتهد كثيراً حتى تجد ساحة جاهزة للتصعيد.
أزمة الفلسطينيين دوماً هي أنهم لا يجيدون اللعبة السياسية ويتأخرون في فهمها والتقاطها، لكن حركة حماس تضيف لهذا التأخر مسحة قَدَرية انتظارية فحتى لو أدركت للحظة تظل تراهن على شيء يأتي خارج الحسابات يقلب الموازين، وهكذا هو العقل الديني في ممارسته للسياسة دائم الانتظار لا يلتقط اللحظة فحين قدمت التنازل الأهم الذي كان مطلوباً منها في أول أسابيع الحرب وهو التخلي عن الحكم والسلاح جاءت لتقدمه مع دخول اسرائيل مرحلة الانتخابات والتي يحمل فيها القرار الإسرائيلي كما جرت العادة رائحة الدم لا رائحة التنازلات المتبادلة والمفاوضات.
في السابع والعشرين من كانون الأول عام 2008 شنت إسرائيل حرب على غزة انتهت قبل انتخابات الإسرائيلية بثمانية عشر يوماً والتي جرت في العاشر من شباط تصدر فيها حزب كاديما الذي شن الحرب بأعلى المقاعد أما حرب تشرين الثاني 2012 فقد سبقت انتخابات مطلع 2013 ثم تلتها حرب 2014 والتي سبقت انتخابات مطلع 2015 وهكذا كانت غزة دوماً شاخص الرماية بالنسبة للأحزاب الإسرائيلية المتصارعة على الحكم يوفر دوماً وجود حماس وشعارات حماس وجهل حماس بالبضاعة اللازمة للحروب وهكذا كانت غزة مجرد لعبة صغيرة بين الماكر والجاهل لتنتهي هذه اللعبة بتحويلها لمقبرة كبيرة.
المراهنة كانت على قدرة الرئيس الأميركي صاحب الخطة ومرحلتها الثانية خصوصاً أنه أصبح أكثر قوة في مواجهة نتنياهو بعد توريطه في حرب إيران التي أفقدته شهية الحكم حتى ولم يعد نتنياهو بطله المتوج بل الرجل الذي خدعه ويكاد يطيح بمستقبله السياسي، والأهم أن هذه الخطة هي خطة نتنياهو نفسه فعندما وضعت كان لا يزال وهج نتنياهو متقداً في البيت الأبيض وفي عقل الرئيس قبل أن ينطفئ، هكذا قال كوشنر وهو يوضح لرئيس وزراء إسرائيل أن هذه خطته فهو لا يريد أن يحكم غزة ولا يريد لحماس أن تحكمها فـ «عملنا لك لجنة ومجلس سلام» هكذا هو الأمر يعبر عن طبيعة الهزيمة كصورة عن دقيقة عن «مجلس مراقبة الحلفاء» الذي تأسس لألمانيا بوساطة القوات المنتصرة بعد هزيمتها ولم يسمح لألمانيا بالتدخل في هندسة اليوم التالي، وهذا وَهم تضيفه حماس لواقع اللحظة معتقدة أنه يمكن لها المشاركة في مصير غزة، وما دام اليوم السابق كان مأساوياً فلا أحد يثق بكفاءة فكرتها عن اليوم التالي ما هو مطلوب الابتعاد بهدوء وترك ما تبقى من الفلسطينيين يقررون مصيرهم.
من يضبط نتنياهو ؟ هذا هو السؤال الأهم في لحظة حرجة فحماس استجابت لشروط أهداف الحرب وأسباب نهايتها «تسليم السلاح والحكم» ولكن نتنياهو يتصرف كأن لا خطة ولا شيء، يسانده دافيد زيني مدير المخابرات الذي يسلمه معلومات يقول فيها إن حركة حماس تعيد بناء قدراتها ونفسها وتعطي سلاحا للعائلات بهدف الالتفاف وإنها لا تنوي الالتزام وأشياء من هذا القبيل التي يستند إليها نتنياهو في مواجهة الدور الأميركي ليستمر بالقتل الذي يحقق مسألتين في مهرجان الدم والانتخابات:
الأولى أن المرشح لقيادة اسرائيل بنيامين نتنياهو يلاحق من قاموا بعملية السابع من أكتوبر حتى آخر رجل كما وعد الإسرائيليين.
💬 التعليقات (0)