يصادف العشرين من أغسطس ذكرى علمية مفصلية، ففي مثل هذا اليوم من عام 1858، ظهرت للنور أوراق بحثية في مجلة الجمعية اللينيانية بلندن تحمل توقيعين لا واحداً: تشارلز داروين وألفرد راسل والاس. هذه الأوراق وضعت حجر الأساس لما يعرف اليوم بنظرية التطور عبر الانتقاء الطبيعي، مفسرةً كيف تتغير الأنواع وتتكيف مع بيئاتها عبر الأجيال المتعاقبة.
ورغم أن التاريخ الحديث يربط هذه النظرية باسم داروين وحده، إلا أن الواقع يشير إلى أن الرجلين وصلا إلى النتائج ذاتها بشكل مستقل تماماً. فبينما كان داروين يراكم ملاحظاته في منزله الريفي بإنجلترا بعد رحلة 'بيغل' الشهيرة، كان والاس يستكشف غابات أرخبيل الملايو ويجمع آلاف العينات التي قادته لنفس الاستنتاج العلمي.
بدأت نقطة التحول في يونيو 1858، حين تلقى داروين رسالة مفاجئة من والاس تحتوي على مقال يلخص ببراعة ما كان داروين يعمل عليه سراً لسنوات. أصيب داروين بصدمة من تشابه الأفكار، وكتب لصديقه الجيولوجي تشارلز لايل معبراً عن دهشته من أن والاس قد قدم ملخصاً يكاد يطابق مسوداته غير المنشورة.
تجنباً لنزاع حول الأسبقية العلمية، تدخل أصدقاء داروين المقربون، لايل وجوزيف هوكر، واقترحوا حلاً وسطاً يقضي بتقديم عمل الرجلين معاً في جلسة واحدة. وبالفعل، قُرئت نصوص داروين القديمة مع مقال والاس الجديد أمام الجمعية اللينيانية في يوليو 1858، قبل أن تُنشر رسمياً في الشهر التالي.
المفارقة التاريخية تكمن في أن أياً من الباحثين لم يحضر تلك الجلسة الشهيرة؛ فقد كان والاس لا يزال في رحلته الاستكشافية بالشرق الأقصى، بينما كان داروين يعيش مأساة عائلية بوفاة ابنه الرضيع قبل أيام قليلة من الاجتماع. ولم يدرك العالم في تلك اللحظة أن هذا العرض المشترك سيغير وجه العلوم الطبيعية إلى الأبد.
السؤال الذي يطرح نفسه دائماً هو: لماذا نتذكر داروين وننسى والاس؟ الإجابة تكمن جزئياً في عام 1859، حين أصدر داروين كتابه 'في أصل الأنواع'. هذا الكتاب لم يكن مجرد ورقة بحثية، بل كان مشروعاً تفسيرياً ضخماً مدعوماً بآلاف الأدلة والملاحظات التي جمعها على مدار عقود، مما جعله المرجع الأول للنظرية.
💬 التعليقات (0)