الخميس 20 أغسطس 2026 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس
ليست كل الروايات تُكتب من أجل الحكاية وحدها، فبعضها يأتي ليضع القارئ أمام أسئلة مؤجلة، وحقائق جرى طمسها، وروايات متناقضة تتصارع على الذاكرة والتاريخ. ومن هذا المنطلق تأتي رواية "اسأل صهيوني" للكاتبة والصحفية والباحثة المصرية علياء أسامة الهواري، الصادرة عن دار مكتبة سمير منصور للنشر والتوزيع، لتضع القضية الفلسطينية في قلب عمل أدبي يمزج بين السرد والمناظرة والبحث التاريخي.وتأتي رواية "اسأل صهيوني" لتضيف إلى المكتبة الفلسطينية والعربية عملًا أدبيًا جديدًا، يسهم في إثراء المشهد الثقافي والأدبي، ويفتح نافذة للحوار والبحث في واحدة من أكثر القضايا حضورًا في الذاكرة العربية والإنسانية؛ مشهدٌ ثقافي يفتش عن الحقيقة العارية، كما هي، دون رتوش أو أقنعة، ولا يلبسها ثوب الزيف، ولا يتركها أسيرة الروايات المفروضة.الرواية لا تتخذ من فلسطين خلفية للأحداث، بل تجعلها محورًا لمواجهة فكرية وسياسية وإنسانية. وتدور أحداثها داخل مؤتمر دولي في الولايات المتحدة، حيث تجد صحفية مصرية عربية مسلمة نفسها في مواجهة مباشرة مع أكاديمي يهودي صهيوني يتبنى الرواية الإسرائيلية وينكر الوجود التاريخي لفلسطين. ومن هنا تبدأ مواجهة لا تعتمد على الشعارات، وإنما على السؤال والوثيقة والمعلومة والحجة.وعنوان الرواية "اسأل صهيوني" يحمل استفزازًا فكريًا مقصودًا؛ فكلمة "اسأل" ليست مجرد دعوة إلى الحوار، وإنما دعوة إلى البحث والمواجهة وكسر المسلمات. أما "صهيوني" فتضع القارئ أمام الطرف الآخر من الصراع، وتفتح الباب لفهم الرواية المقابلة، وكيف تشكلت عبر التاريخ والدين والسياسة والإعلام.وتكمن أهمية التجربة في أن الهواري لا تكتفي بالسرد الروائي التقليدي، بل تدفع شخصياتها إلى مساحة من الحوار والمناظرة، مستندة إلى الوثائق والمراجع والنصوص الدينية والتاريخية، في محاولة لتفكيك الأفكار التي قامت عليها الصهيونية ومناقشة التناقضات التي صاحبت مشروعها. وبهذا تتحول الرواية من حكاية تُقرأ إلى سؤال يُناقش، ومن صفحات أدبية إلى مساحة لمواجهة الرواية بالرواية.وهنا تبرز أهمية العمل في زمن أصبحت فيه معركة الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض. فالصراع لا يُخاض بالسلاح وحده، وإنما يُخاض أيضًا في الكتب والصحف والشاشات والمنصات الإعلامية، وفي الذاكرة التي تحاول كل رواية أن تفرض نفسها داخلها.علياء الهواري.. بين الصحافة والبحث والأدبتمتلك علياء الهواري خلفية تجمع بين الصحافة والبحث والكتابة، وقد انعكس هذا التداخل على تجربتها الأدبية والفكرية. وهي صحفية وباحثة مصرية، درست اللغة العبرية، واهتمت بالقضايا السياسية والفكرية، ولا سيما القضية الفلسطينية والصهيونية، كما مارست العمل الصحفي والتقديم الإعلامي.ومن مؤلفاتها "غموض أنثى"، و"نساء بين الظل والنور"، و"خوف لا يهدأ: العقل اليهودي بين الحرب والسلم"، و"الصهيونية: من الانبعاث إلى الزوال"، وصولًا إلى روايتها "اسأل صهيوني".واللافت أن الرواية لا تريد للقارئ أن يكون متلقيًا سلبيًا؛ فهي تدفعه إلى المقارنة والبحث والتفكير. وهذه إحدى وظائف الأدب الحقيقي: ألا يمنح القارئ إجابات جاهزة دائمًا، وإنما يجعله يخرج من الكتاب بأسئلة أكثر عمقًا مما دخل به.إن "اسأل صهيوني" تفتح بابًا مهمًا على مفهوم الرواية والرواية المضادة، وتؤكد أن فلسطين ليست مجرد قضية حدود أو صراع سياسي، بل قضية إنسان وذاكرة وهوية وتاريخ. خلف كل مدينة حكاية، وخلف كل قرية ذاكرة، وخلف كل اسم فلسطيني قصة إنسانية تستحق أن تُروى.وربما تكمن الرسالة الأهم في عنوان الرواية نفسه: الحقيقة لا تخشى السؤال. فحين يكون السؤال صادقًا، يصبح طريقًا إلى المعرفة، وحين يُفتح التاريخ أمام البحث والمقارنة، يصبح الأدب قادرًا على أن يتحول إلى مساحة لمواجهة التزييف والنسيان.وفي النهاية، تبدو "اسأل صهيوني" محاولة أدبية وفكرية لاستعادة حق الإنسان الفلسطيني في أن يروي حكايته بنفسه، وأن يحضر في التاريخ لا بوصفه رقمًا في نشرات الأخبار، بل إنسانًا له أرض وذاكرة واسم وحكاية.وهنا يصبح السؤال الذي تتركه الرواية مفتوحًا أمام القارئ أكبر من عنوانها: من يكتب الرواية؟ ومن يملك المنبر؟ ومن غاب صوته؟ ومن يدفع ثمن أن تُروى الحكاية من طرف واحد؟"اسأل صهيوني" ليست مجرد رواية عن فلسطين، بل محاولة لجعل السؤال نفسه جزءًا من معركة الوعي، وإضافة جديدة إلى المشهد الثقافي والأدبي العربي، بحثًا عن الحقيقة كما هي، لا كما يريد لها الآخرون أن تكون.
"اسأل صهيوني".. حين تتحول الرواية إلى مواجهة مع الرواية الأخرى
د. حسني شيلو: عضو مجلس إدارة مركز فلسطين لدراسات مبادرة الحضارة العالمية والحوار الديمقراطي
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)