مفارقة ملفتة للنظر، في الوقت الذي يرفع المتضامنون مع الشعب الفلسطيتي في دول العالم وخاصة الولايات المتحدة ودول الغرب الرأسمالي العلم الفلسطيني، يرفع فلسطينيون يحملون الجنسية الاميركية علم الولايات المتحدة الاميركية على منازلهم في الضفة الغربية المحتلة. هذه الظاهرة تعكس تباينا في المواقف والخلفيات، فالمتضامنون الامميون يرفعون العلم الفلسطيني لدعم قضية التحرر الوطني، ورفض السياسات وجرائم الحرب والابادة الإسرائيلية، بينما يضطر بعض الفلسطينيين حملة الجنسية الأميركية لرفع العلم الأميركي في بلدات وقرى الضفة الغربية كوسيلة للحماية الذاتية وصد وردع اعتداءات عصابات المستوطنين والجيش الإسرائيلي، التي أخذت منحى خطيرا في الآونة الأخيرة. ولا يعني بحال من الأحوال رفع بعض الفلسطينيين العلم الأميركي التخلي عن الهوية الوطنية الفلسطينية، انما هي شكل من اشكال درأ الاخطار الإسرائيلية، وحماية الذات والاملاك الشخصية من قرصنة المستوطنين والجيش الإسرائيلي؛ ولإرسال المواطنين الفلسطينيين رسالة للحكومة الإسرائيلية وأذرعها الاستعمارية، أن صاحب المنزل أو الأرض رافع العلم الأميركي يحمل الجنسية الأميركية الحامية له ولعائلته من غطرسة وهمجية الإسرائيليين؛ ولخشية الجيش وقراصنة المستوطنين من ردود الفعل الدبلوماسية أو القانونية الأميركية في حال المساس بمواطنين أو ممتلكات من التابعية الأميركية؛ كما أن رفع العلم يعتبر بمثابة رسالة للإدارة الأميركية بتحمل مسؤولياتها تجاه مواطنيها المقيمين تحت الاحتلال الإسرائيلي. بالمقابل فإن رفع العلم الفلسطيني عالميا، بمثابة تضامن شعوب الأرض مع الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية التحررية، ورفض المتضامنون الامميون للظلم والانتهاكات وجرائم الحرب والابادة الجماعية الإسرائيلية ضد الأطفال والنساء والمواطنين المدنيين الفلسطينيين؛ ولاعتبارهم العلم الفلسطيني كرمز للكفاح من أجل الحرية واستقلال الدولة الفلسطينية؛ وفي ذات الوقت، احتجاج على دعم الحكومات الغربية وعلى رأسها الإدارة الأميركية للسياسات والجرائم الوحشية الإسرائيلية. وبرزت أول مظاهر الظاهرة الجديدة في الدفاع عن الذات والممتلكات في قرية ترمسعيا شمال غرب رام الله، قبل نهاية شهر تموز / يوليو الماضي – 2026 -، عندما رفعت عائلة فلسطينية - أميركية (تعود لطبيب يحمل الجنسية الأميركية في مبنى "مدامس" في ترمسعيا) العلم الأميركي فوق سطح منزلها، وذلك لمواجهة محاولة الجيش الإسرائيلي السيطرة على المبنى وتحويله لثكنة وموقع عسكري، مما دفع السفارة الأميركية للتدخل وإلغاء القرار الاسرائيلي. كما أن المواطن الفلسطيني – الأميركي لؤي أبو ريدة (المعروف أيضا بلؤي ريدي) رفع العلم الأميركي فوق منزله في جبل رأس العين ببلدة قصرة جنوب نابلس، في يوم الاثنين 17 آب / أغسطس 2026. وذلك بعد تعرض منزله ومنازل اقاربه المجاورة لحصار استمر 10 أيام من قبل عصابات المستعمرين والجيش الإسرائيلي. وكان لؤي أبو ريدة المقيم في ولاية اوهايو الأميركية يراقب من خلال الكاميرات الحصار المفروض على المنازل الثلاث بما فيها منزله، وأجرى قبيل عودته لمنزله المحاصر في قصرة اتصالات مع العديد من أعضاء المجلسين الشيوخ والنواب وقضاة وشخصيات أميركية نافذة، ثم قرر العودة الى منزله في قصرة ورفع العلم الأميركي عليه، كرسالة احتجاج ومطالبة الإدارة والسفارة الأميركية للتدخل ورفع حصار عصابات المستوطنين عن محيط منزله. وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من المنظمات الحقوقية الدولية من مضاعفة وتزايد جرائم قراصنة الاستيطان الاستعماري والجيش الإسرائيلي ضد المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية، ووصفت منظمة العفو الدولية الفظائع الإسرائيلية المرتكبة في بلدة قصرة بأنها "إرهاب استيطاني منسق واستراتيجي" مع حكومة الائتلاف الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، وأكدت انها ليست حادثة منفصلة أو معزولة عن المخططات الاستعمارية للحكومة النازية، التي أعلن عنها صراحة وعلى الملأ اقطابها بدءً من رئيسها ومرورا بوزير المالية والوزير في وزارة الحرب بتسلئيل سموتريش، ووزير الامن ايتمار بن غفير، ووزير الحرب يسرائيل كاتس وباقي جوقة الائتلاف النازية. وطرح سؤال، لماذا لم يرفع أصحاب المنازل المهددة والمحاصرة العلمين الفلسطيني والأميركي الى جانب بعضهما البعض، لتعكس الترابط بين الهوية الوطنية الفلسطينية الاصلانية والتابعية الأميركية؟ وهل لرفع العلم الأميركي لوحده مساس بالهوية الوطنية؟ وهل كانت هناك وسيلة دفاع أخرى لحماية الذات والممتلكات الخاصة؟ باختصار وموضوعية شديدة، لا أعتقد أن رفع العلم الأميركي لوحده يؤثر سلبا على الانتماء الوطني لمن رفعه من العائلتين، ولقناعة أصحاب المنازل المهددة بالقرصنة في ترمسعيا وقصره بعدم وجود وسائل دفاعية أخرى، ولغياب فعل آخر رسمي أو شعبي يمكن أن يكبح النازية الإسرائيلية، لذا لجأت العائلات للخيار الأنسب راهنا، الى حين توفر شروط ذاتية وموضوعية أخرى.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
💬 التعليقات (0)