ثمة كتب تكتب عن الصين، وثمة كتب تكتب من أجل فهم الصين، وثمة كتب تحاول أن ترى في التجربة الصينية أكثر من دولة صاعدة أو قوة اقتصادية آخذة في التمدد، وكتاب «الكل تحت السماء عائلة واحدة: رؤية اشتراكية جديدة من فلسطين إلى الصين» للكاتب الفلسطيني محمد علوش ينتمي، في تقديري، إلى الصنف الأخير؛ فهو لا يتعامل مع الصين باعتبارها موضوعاً للفرجة أو الإعجاب، وإنما باعتبارها تجربة تاريخية وفكرية تتيح إعادة طرح أسئلة كبرى حول الإنسان والمجتمع والعدالة ومستقبل العالم.
ينطلق الكتاب من عبارة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة العمق في دلالتها: «الكل تحت السماء عائلة واحدة». هذه العبارة لا تأتي في الكتاب شعاراً أخلاقياً مجرداً، بل تتحول إلى مدخل لرؤية تتجاوز الحدود الضيقة التي صنعتها الصراعات والمصالح والانقسامات، وتعيد الإنسان إلى مركز التفكير في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، إنها فكرة تستعيد معنى التضامن الإنساني، ولكنها في الوقت ذاته تبحث عن صيغة معاصرة لعالم لا تحكمه قاعدة الأقوى وحده.
ما يلفت في تجربة علوش أنه يقرأ الصين من فلسطين، وهذه ليست نقطة عابرة، بل هي مفتاح أساسي لفهم الكتاب كله، فالكاتب لا يأتي إلى الصين خالي الوفاض؛ يحمل معه فلسطين، وأسئلتها، وتجربتها التاريخية، ومحنة شعبها، وتطلعاته إلى الحرية والتنمية والعدالة، ولذلك تصبح الصين في الكتاب مساحة للمقارنة والتأمل، وليست نموذجاً مغلقاً يراد نقله كما هو.
ومن هنا تكتسب فكرة «الاشتراكية الجديدة» التي يطرحها المؤلف أهمية خاصة، فهو لا يستعيد الاشتراكية باعتبارها مفهوماً تاريخياً جامداً، ولا يتعامل معها بوصفها وصفة سياسية جاهزة، وإنما يحاول إعادة التفكير فيها في ضوء التحولات الكبرى التي يشهدها العالم: صعود التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، اتساع الفوارق الاجتماعية، تحولات النظام الدولي، أزمة النموذج الرأسمالي، وتزايد الحاجة إلى التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية.
في هذا المعنى، تبدو الصين بالنسبة إلى علوش واحدة من أهم التجارب التي تستحق الدراسة، لأنها تقدم محاولة عملية للجمع بين التخطيط طويل المدى وآليات السوق، وبين التنمية الاقتصادية والسياسات الاجتماعية، وبين المحافظة على الخصوصية الوطنية والانفتاح الواسع على العالم، ولا يعني ذلك أن التجربة خالية من التناقضات أو المشكلات، لكن قيمتها تكمن في قدرتها على البحث عن طريق خاص، وعدم التسليم بأن التاريخ انتهى عند نموذج واحد.
والكتاب، في جوهره، ليس احتفاءً بالصين بقدر ما هو نقد للكسل الفكري الذي يجعلنا نبحث دائماً عن نماذج جاهزة، فالمطلوب، كما يوحي علوش، ليس أن نصبح نسخة من الصين، وإنما أن نتعلم كيف نصنع تجربتنا الخاصة، وأن نمتلك شجاعة التفكير خارج الوصفات التي اعتادت القوى المهيمنة تقديمها لشعوب الجنوب.
💬 التعليقات (0)