لا أحد يعرف على وجه اليقين من أين وُلد ظريف الطول. بعضهم يقول إنه من يعبد، والغالبية تقول إنه من يافا، وكأن الحكاية، منذ بدايتها، أرادت أن تترك حول صاحبها شيئًا من الغموض. تقول الرواية إنه كان شابًا ذا جمال أخاذ، فارع الطول، حسن الهيئة، صاحب ذوق رفيع وقيم وأخلاق لا يشوبها غبار. كان يعمل في منجرة، ويدخر شيئًا من دخله الذي يتقاضاه من المنجرة. ولحسن مظهره وطيب معشره، كانت بعض النساء يخطبنه لبناتهن، وبعضهن يتمنين لو يصبح زوجًا لإحداهن، حتى إن شيخ المسجد نفسه كان يتمنى أن يكون ظريف الطول صهرًا له، أما فتيات الحي، فكثيرات كنّ يرينه فارس الأحلام.
لم تبدأ حكايته كشاب جميل تتنافس العائلات على مصاهرته، لأن فلسطين في ذلك الزمن كانت تكتب لأبنائها حكايات أخرى. عندما بدأ أول هجوم للعصابات الصهيونية على المدينة، استشهد ثلاثة من شباب حارة ظريف الطول، وفي صباح اليوم التالي غادر ظريف الطول إلى مكان مجهول. لم يخبر أحدًا إلى أين ذهب، ولا لماذا. غاب قرابة أسبوع، عاد بعده متسترًا بعتمة الليل حتى لا يراه أحد.
لكن مدينة يافا تعرف أسرارها، وما تخفيه عتمة الليل تكشفه خيوط شمس الصباح. في اليوم التالي شوهد ظريف الطول في المنجرة، وكأن شيئًا لم يحدث. تبين لاحقًا أنه عاد ومعه خمسة بواريد. وبعد شهر من عودته، هاجمت عصابة شتيرن الحي مرة أخرى. كان ظريف الطول قد اختار أربعة من الشباب الأقوياء، ووزع عليهم البواريد التي عاد بها، واندلعت مواجهات عنيفة انتهت بسقوط ستة قتلى من المهاجمين.
منذ ذلك اليوم، لم يعد ظريف الطول مجرد شاب وسيم تتمنى النساء أن يكون زوجًا لبناتهن، صار رجلًا يعرف متى يغيب، ولماذا يغيب، وماذا يحمل معه عندما يعود. وحين عادت العصابات للهجوم مجددًا، كانت المدينة قد بدأت تتغير هي الأخرى. النساء اللواتي كنّ ينظرن إلى ظريف الطول باعتباره الشاب الذي تتمنى كل أم أن يكون صهرها، أصبحن يبعن ذهبهن ليشترين البواريد. وهكذا تحولت الحكاية من قصة رجل إلى قصة مدينة، ومن بطولة فرد إلى ذاكرة جماعية.
ثم جاءت معركة حي العجمي، وكانت أشد قسوة. استشهد عدد من أبناء الحي، وقُتل فيها عشرات من المهاجمين. أخذ أهل القرية شهداءهم، وبحثوا عن ظريف الطول بينهم فلم يجدوه، ثم بحثوا عنه بين الأحياء فلم يجدوه أيضًا. كان قد اختفى مرة أخرى.
ما حصل حال إلى الأبد دون أن يختفي من الحكاية. قال شباب القرية إنه «بطح» أكثر من عشرين من المهاجمين، وقال آخرون إنه كان طوال المعركة يمد العون للشباب، ويتنقل بين مواقع القتال، وينقذ الجرحى. وقيل إنه أنقذ جهاد وعماد، وهما جريحان تحت وابل الرصاص، ثم انسحبت العصابة، وانتهت المعركة، واختفى ظريف الطول مجددًا.
💬 التعليقات (0)