على طريقة (اليوم بنحكي، وبكرة بنضرب)، يبدو أن بنيامين نتنياهو يتعامل مع زيارة جاريد كوشنر لا باعتبارها لحظة تفاوضية تستدعي تقديم تنازلات، بل باعتبارها مسرحًا آخر لإعادة توزيع الأدوار في معادلة القوة، فالرجل لا يقرأ السياسة بوصفها سلسلة من المواقف المنفصلة، وإنما بوصفها لعبة طويلة النفس، قوامها الأساسي شراء الوقت، واستنزاف الخصوم، وتحويل الضغوط إلى أوراق تخدم بقاءه السياسي.
بهذا المعنى، أفرغ نتنياهو زيارة كوشنر من دلالتها الأصلية: بدل أن تظهر الزيارة باعتبارها تعبيرًا عن ضغط أمريكي أو اختلاف مع الإدارة الأمريكية حول الالتزامات الإسرائيلية بمراحل خطة السلام، ليعيد تقديمها للجمهور الإسرائيلي بوصفها تفهّمًا أمريكيًا لحاجاته السياسية والأمنية، ونجح مرة أخرى في نقل مركز النقاش من سؤال: ماذا تريد واشنطن من نتنياهو؟، إلى سؤال ماذا يحتاج نتنياهو لكي يحقق النصر؟؛ وهذه واحدة من أكثر سمات شخصيته السياسية وضوحًا: تحويل الضغط الخارجي إلى شرعية داخلية، وتحويل الخلاف مع الحليف إلى شهادة على قدرته على المناورة.
نتنياهو لا يخوض الحرب في غزة على المستوى العسكري وحده؛ إنه يخوض بالتوازي حربًا على الوعي الإسرائيلي. وهو يدرك أن غزة، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي، ليست مجرد ملف سياسي أو أمني، بل ملف نفسي شديد الحساسية، تتداخل فيه صورة الردع، واستعادة الهيبة، والثأر، والخوف من تكرار السابع من أكتوبر؛ لذلك فإن أي صورة مرتبطة بـنزع سلاح غزة يمكن أن تكون، في حساباته، أكثر قيمة انتخابية من عشرات البيانات السياسية.
ومن هنا يمكن فهم إصراره على إبقاء السيطرة الإسرائيلية على نحو واسع من أراضي غزة، بالتوازي مع تحديد سقف زمني قريب نسبيًا للانتقال إلى مرحلة تفكيك السلاح، فالمعادلة التي يسعى إلى تثبيتها تبدو شديدة الوضوح: لا يخرج من الحرب قبل أن يمتلك شيئًا يمكن عرضه على الإسرائيليين باعتباره إنجازًا، ولا يسمح في الوقت نفسه لأي تسوية بأن تنتزع منه السيطرة على ميدان يمكن أن يتحول لاحقًا إلى ورقة تفاوضية أو انتخابية.
وهنا تظهر إحدى السمات المركزية في التفكير السياسي لنتنياهو: هو لا يبحث بالضرورة عن نهاية للحرب بقدر ما يبحث عن نهاية يمكنه هو أن يرويها، فالنصر، في حساباته، ليس مجرد نتيجة عسكرية؛ إنه سردية سياسية قابلة للاستهلاك الداخلي، ولذلك فإن صورة الجنود، ومشاهد السيطرة على الأرض، ثم صور تفكيك السلاح، قد تصبح جميعها أجزاء من فيلم انتخابي واحد، يُعرض على الناخب الإسرائيلي في اللحظة التي يحتاج فيها نتنياهو إلى تحويل الحرب من عبء سياسي إلى رصيد انتخابي.
وهذا ما يجعل المقارنة مع تعامله مع إدارة بايدن عشية احتلال رفح في أيار 2025 ذات دلالة، ففي كل مرة يقترب فيها الضغط الأمريكي من التحول إلى قيد فعلي على حركته، يسعى نتنياهو إلى إعادة تعريف حدود الضغط، لا إلى مواجهته بصورة مباشرة، يمنح الحليف ما يكفي كي لا ينفجر الخلاف، ويحجب عنه ما يكفي كي لا يتحول الاتفاق إلى قيد على خياراته، إنه يمارس سياسة "الامتثال الجزئي": يقدم تنازلًا تكتيكيًا، لكنه يحافظ على جوهر حرية الحركة الاستراتيجية.
💬 التعليقات (0)