لأكثر من عام، وصف الفلسطينيون ما يجري لأموال المقاصة بكلمة واحدة: الاحتجاز. لكن الشهر الماضي، خطا الكنيست خطوة إضافية حين أقر بالقراءتين الثانية والثالثة قانونًا يوسّع الأساس التشريعي لتجميد واقتطاع هذه الأموال. المصطلح الرسمي للقانون هو "التجميد" و"الخصم"، لا "المصادرة" بمعناها القانوني الدقيق، وجزء من المبالغ المقتطعة يذهب لتعويضات محددة قبل أن يؤول أي فائض إلى الخزينة الإسرائيلية. لكن جوهر ما تغيّر اقتصاديًا يستحق وصفًا أكثر وضوحًا: مصادرة مقنّنة؛ أي توسيع نطاق الاقتطاع وإسناده بصورة أكبر إلى قوة القانون، لا إلى تقدير سياسي متجدد. وهنا تحديدًا تكمن خطورة التحول.
القانون الجديد، الذي تقدم به عضو الكنيست أفيحاي بوآرون عن حزب الليكود وحظي بتأييد 29 عضوًا مقابل 5 معارضين، يوسّع أسس الاستقطاع من المقاصة لتشمل تعويضات ومنحًا تدّعي سلطات الاحتلال أنها مستحقة لمتضررين من عمليات فلسطينية. هذا النهج ليس جديدًا؛ فإسرائيل تحتجز حاليًا، وفق تقديرات منشورة، نحو 14 مليار شيكل من أموال المقاصة الفلسطينية عبر مجموعة من الاقتطاعات والحجوزات المتراكمة، فيما شكّل قانون 2018 محطة رئيسية في تحويل جزء من هذه الاقتطاعات، المرتبط بمخصصات الأسرى وعائلات الشهداء تحديدًا، إلى إطار تشريعي إسرائيلي. القانون الجديد لا يلغي دور الحكومة بتحديد المبلغ سنويًا، لكنه يوسّع الأساس القانوني للاستقطاع ويرسّخه بصورة أكثر وضوحًا ضمن التشريع الإسرائيلي بدل تفسير إداري لقانون سابق واحد، ويحمل تبعتين: نطاق استقطاع أرحب وأصعب حصرًا، ونمط تشريعي متصاعد يصعب التراجع عنه بقرار حكومي بسيط، كما يظهر بالمشروع الثاني الذي لا يزال قيد التشريع.
ليس حدثًا منفردًا، بل بداية مسار تشريعي
ما يؤكد أن هذا ليس إجراءً معزولًا هو مشروع قانون آخر، قدمه عضو الكنيست موشيه باسال، أقرّته الهيئة العامة بالقراءة الأولى فقط، وينص على تجميد مبلغ سنوي إضافي يوازي قيمة الأموال التي حوّلتها السلطة إلى قطاع غزة خلال السنة السابقة، بذريعة تعويض متضررين من عمل "مصدره قطاع غزة". القانون الأول أصبح نافذًا، والثاني في الطريق، وكلاهما يوسّع مبدأ واحدًا: تحويل الاستقطاع من استثناء سياسي مؤقت إلى بنية تشريعية دائمة ومتوسعة تدريجيًا.
لماذا يهم هذا التمييز اقتصاديًا؟
هذا التحول لا يغيّر المبلغ المحتجز بين ليلة وضحاها، لكنه يغيّر طبيعة المخاطرة التي يجب على أي تخطيط مالي فلسطيني أخذها بالحسبان. فحين يكون الاستقطاع قرارًا إداريًا، يمكن التعويل على تغيره مع الوقت، عبر ضغط دبلوماسي أو تبدل حكومي. أما حين يتحول إلى قانون، فإن أي معالجة له تتطلب مسارًا مختلفًا: تحديًا قضائيًا أو تشريعيًا داخل إسرائيل نفسها، أو ضغطًا دوليًا يستهدف البنية القانونية لا مجرد القرار السياسي.
💬 التعليقات (0)