منذ انتهاء الحرب الباردة، تم التعامل مع الشرق الأوسط، وفق المنطق التجاري، القائم على قاعدة «القطاعي» وهو أسلوب مختلف عن البيع التجاري «بالجملة»، وهذا الشكل من التعامل جرى في ذلك الوقت، أي بعد انتهاء الحرب الباردة مباشرة في أوروبا الشرقية، حيث تم تغيير أنظمة الحكم فيها بالجملة، أو وفق منطق لعبة «الدومينو» حيث تدحرجت حجارة العلبة تباعاً، ولم تكن سوى بضع سنوات قليلة، وكانت كل دول أوروبا الشرقية، في الجيب الغربي، سواء الأميركية أو الأوروبية الغربية، بل حتى أنها صارت في معظمها ضمن إطار الاتحاد الأوروبي رسمياً، ولم يعد أي منها قريباً لروسيا وريثة الاتحاد السوفياتي السابق الذي كانت تدور في فكله تلك الدول.
كان مقدراً أو حتى متوقعاً أن يحدث في الشرق الأوسط ما حدث في شرق أوروبا، أي أن يجري تغيير أنظمة الحكم، خاصة تلك التي كانت تحسب على المعسكر الشرقي، بما يؤهل دول المنطقة للانضواء جميعاً، تحت الراية الغربية، الأميركية بالطبع على وجه الخصوص، لأن الشرق الأوسط لا يتبع أوروبا جغرافياً، المهم أنه بالنظر إلى العام 2003، الذي جرى فيه احتلال الجيش الأميركي لبغداد وإسقاط نظام صدام حسين، أو حتى قبل ذلك، أي بالنظر إلى العام 1990، العام الذي زجت فيه أميركا بجيشها إلى جانب جيوش 30 دولة لإخراج الجيش العراقي من الكويت، فإن ذلك يؤكد ما نذهب إليه، من أن الولايات المتحدة، آثرت العمل مع الشرق الأوسط بطريقة مختلفة عن تلك التي تعاملت بها مع شرق أوروبا، مع أن الشرق الأوسط لم يكن يقل أهمية لها، ولنظامها العالمي الذي أعادت ترتيب أوضاع أوروبا الشرقية لإقامته عن دول أوروبا الشرقية.
بالطبع فإن تغيير أنظمة أوروبا الشرقية أكد انهيار النظام العالمي، حيث كان الاتحاد السوفياتي يشارك الولايات المتحدة زعامة العالم، وقد حطّم ذلك التغيير تلك الكتلة العالمية التي كانت نداً للكتلة الغربية، في ذلك النظام، كما أن ذلك التغيير سرعان ما ساهم في تسريع تفكك الاتحاد السوفياتي نفسه، وإفشال محاولة ميخائيل غورباتشوف عبر الجلاسنوست والبيروسترويكا إنقاذ ذلك الاتحاد من التفكك والنظام الشيوعي من الانهيار، لكن بالنظر إلى أن انتهاء الحرب الباردة وانهيار الأنظمة الشيوعية قد جرى مطلع تسعينيات القرن الماضي، أي في نفس الفترة، بل حتى في نفس العام الذي احتل فيه العراق الكويت، ومن ثم إقدام أميركا على محاربة العراق بشكل مباشر، كان يمكن أن يكون ذلك بمثابة فتح الباب لمواصلة الطريق الأميركي في الشرق الأوسط. أخبار ذات صلة الذهب يرتفع إلى أعلى مستوى في أسبوعين مع ترقب قرار الفيدرالي وتطورات الشرق الأوسط واشنطن تصدر تحذيرا لمواطنيها في الشرق الأوسط
لكن أميركا ورغم أن فتح ملف الشرق الأوسط، لجهة إسقاط الأنظمة غير الموالية، ومنها النظام الإيراني الحالي، الذي رغم أنه لم يكن شيوعياً، لكنه منذ أن نشأ عام 1979، أي خلال الحرب الباردة، ناصب أميركا العداء، ورفع راية المقاومة ضد إسرائيل، بما أسس للإسلام المقاوم، ورغم أن إسرائيل حاولت إقناع أميركا بأن تتابع حربها بعد صدام حسين بتغيير الوجهة نحو إيران، إلا أن أميركا لم تفعل هذا، واحتارت بين أن تنخرط في الحرب ضد «الإرهاب» في أفغانستان، وبين متابعة رعاية عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وقد ظهرت تلك الحيرة واضحة على الحزبين، فبينما أبدى الديمقراطيون اهتماماً خاصاً برعاية أوسلو، تجند الجمهوريون لمحاربة أفغانستان ومن ثم العراق، ويمكن إظهار هذه الصورة بشكل واضح من خلال استرجاع السياسة الأميركية في الشرق الأوسط خلال عهدي بيل كلينتون وباراك أوباما، اللذين اهتما بأوسلو والمصالحة مع العالم الإسلامي، مقابل عهدي جورج بوش الابن ودونالد ترامب، اللذين تجاوزا أوسلو، لصالح شن الحروب على العراق وإيران، وتجاوز أوسلو عبر أبراهام.
ربما يكون أحد أسباب اعتماد أميركا أسلوب التعامل «القطاعي» مع ملفات الشرق الأوسط هو أن القصية الفلسطينية هي قضية تلك القضايا، وهي القضية المركزية لدول وشعوب الشرق الأوسط العربية والإسلامية على حد سواء، لذلك فإن أسلوب العمل السياسي «بالجملة» يفرض عليها أن تفرض حلاً لا تقبل به إسرائيل، وبالتالي تعجز عن فرضه أي إدارة أميركية، بالنظر إلى مستوى تأثير اللوبي الصهيوني على البيت الأبيض، وحتى على الكونغرس وكل مؤسسات الحكم في أميركا، رغم أن المقترح العربي السعودي وجد على طاولة الحل السياسي الإقليمي منذ عام 2002، لكن ربما كان توقيت إعلان المبادرة العربية من سوء الحظ؛ لأنه جاء في ظل ولاية جورج بوش الابن الذي أمضى ثماني سنوات يحارب القاعدة وطالبان في أفغانستان، وصدام حسين في العراق، ولم يول لا أوسلو ولا المبادرة العربية أي اهتمام؛ لأن إسرائيل كانت قد أسقطت حكومة اليسار، وتابعت طريقها في التنصل من أوسلو، بل كانت تقوم في ذلك الوقت بعملية قتل ممنهجة لمسار الحل السياسي، بما سمته عملية السور الواقي.
عموماً جرت مياه كثيرة في النهر، كما يقولون، منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، حتى الآن، بل حتى مطلع العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين، حين اجتاح الربيع العربي، الدول التي تعد في معظمها محكومة بأنظمة لم تكن تابعة للغرب خلال الحرب الباردة، وهذا كان عاملاً إضافياً لبدء ظهور أسلوب التعامل بالجملة، ولكن بشكل معكوس، أيضاً بشكل يتجاوز في نفس الوقت حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً، فرغم وجود أوسلو، سارع ترامب عام 2018 إلى إصدار جملة من القرارات المعاكسة للحل السلمي، منها كان اعترافه بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، واعترافه بسيادة إسرائيل الاحتلالية على الجولان، ثم سعيه لفرض خطته التي سميت صفقة العصر في ذلك الوقت، وصولاً إلى إبرام اتفاقية أبراهام، في نهاية ولايته تلك، أي عام 2020.
💬 التعليقات (0)