الإثنين 17 أغسطس 2026 10:37 صباحًا - بتوقيت القدس
صوت الجرس المدرسي هو أحد أكثر الأصوات رسوخا في ذاكرتنا الجماعية. الرنين الذي يفصل بين عالمين. عالم الانضباط داخل الجدران وعالم الانطلاق خارجها. لو سافرت إلى أطراف الأرض لوجدت أن هذا الجرس يرن في أغلب المدارس بعد خمس وأربعين دقيقة. من طوكيو إلى نيويورك ومن هلسنكي إلى القدس تستقر الحصة المدرسية حول هذا الرقم. لكن هل جاء هذا التوقيت بمحض الصدفة. أم أنه نتاج دراسات علمية عميقة. المفارقة أن السر لا يكمن في عدد الدقائق بحد ذاته بل في الفلسفة التي تقف وراء كيفية استغلالها.القصة تبدأ من العقل البشري وقدرته المحدودة على الانتباه المستمر. في عام ألف وتسعمئة وستة وسبعين نشر الباحثان أليكس جونستون وإف بيرسيفال دراسة تأسيسية في دورية التعليم في الكيمياء. راقب الباحثان مئات الطلاب خلال المحاضرات ولاحظا نمطا متكررا. الانتباه يبدأ بالتراجع التدريجي بعد مرور عشر إلى عشرين دقيقة من الاستماع السلبي. هذه ليست نظرية مجردة. هذا ما يحدث في كل فصل دراسي كل يوم. المعلم يتحدث والطالب يبدأ بالنظر من النافذة أو الرسم على دفتره أو الشرود في أفكاره. العقل البشري مصمم بطريقة تجعله يبحث عن محفزات جديدة باستمرار. البقاء في حالة تلقي سلبي لفترة أطول يؤدي إلى ما يسميه علماء النفس الإجهاد المعرفي. نظرية الحمل المعرفي التي طورها جون سويلر عام ألف وتسعمئة وثمانية وثمانين تؤكد أن الذاكرة العاملة محدودة الطاقة. هي كوعاء صغير لا يتسع إلا لعدد محدود من المعلومات في اللحظة الواحدة. حين يتجاوز المعلم هذا الحد يبدأ الطالب في فقدان المعلومات الجديدة. تتسرب من ذاكرته كما يتسرب الماء من وعاء ممتلئ. خمس وأربعون دقيقة هي المدة التي تحمي العقل من التحميل الزائد بشرط أن تتخللها أنشطة متنوعة تكسر رتابة التلقين.لكن الجذور التاريخية لهذا الرقم لا تعود إلى علم النفس وحده. الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر خلقت حاجة ماسة لتنظيم الوقت كمورد قابل للقياس والتوحيد. المصانع كانت تعمل بنظام الورديات والأجراس. وكان المجتمع الصناعي يحتاج إلى أجيال تعرف الانضباط الزمني وتستجيب لهذه الأجراس. المدرسة أصبحت مرآة للمصنع في كثير من ملامحها. في عام ألف وتسعمئة وستة أسست مؤسسة كارنيجي للتدريس ما يعرف بنظام وحدة كارنيجي. لم يكن الهدف تحديد مدة الحصة بل توحيد معايير القبول في الجامعات الأمريكية التي كانت تعاني من فوضى شديدة في معايير التقييم. الوحدة تعادل مئة وعشرين ساعة تعليمية في المادة الواحدة خلال العام. ولتحقيق هذا الشرط قسمت المدارس يومها إلى حصص يومية تتراوح بين خمس وأربعين وخمس وخمسين دقيقة. هكذا ولد الجدول المدرسي كما نعرفه. قرار إداري اتخذ لأسباب تنظيمية ثم ترسخ في العالم كله كأنه حقيقة علمية لا تقبل النقاش.الأنظمة التعليمية الناجحة لم تقف عند حدود هذا الإرث التاريخي بل أعادت هندسته بذكاء. النموذج الفنلندي يقدم مثالا ملهما. في فنلندا الممارسة المؤسسية الراسخة منذ الستينيات تقتضي أن تتبع كل حصة مدتها خمس وأربعون دقيقة استراحة لمدة خمس عشرة دقيقة في الهواء الطلق. هذه ليست توصية بل ممارسة يلتزم بها الجميع. الطلاب يخرجون للعب والركض بغض النظر عن حالة الطقس. حتى في درجات الحرارة التي تصل إلى عشرين تحت الصفر. أنتوني بيليغريني أستاذ علم النفس التربوي في جامعة مينيسوتا أثبت في سلسلة تجارب أن الطلاب يكونون أكثر انتباها بعد الاستراحة مقارنة بقبلها. وأن تأخير الاستراحة يقلل الانتباه بشكل ملحوظ. الفلسفة الفنلندية ترى أن اللعب والراحة جزء أصيل من العملية التعليمية وليس هدرا للوقت. العقل يحتاج إلى هذه المساحة ليعيد ترتيب المعلومات ويستعد لاستقبال المزيد.في أقصى الشرق يقدم النموذج الياباني مقاربة مختلفة لكنها عميقة بنفس القدر. الحصة في المرحلة الابتدائية خمس وأربعون دقيقة وتزيد إلى خمسين دقيقة في المرحلتين المتوسطة والثانوية. لكن السر الياباني يكمن في البداية والنهاية وليس في المنتصف. تبدأ كل حصة بطقس صارم يسمى كيريتسو ري تشاكوسيكي. يقف الطلاب جميعا. ينحنون احتراما للمعلم. ثم يجلسون. هذه الثواني القليلة ليست مجرد تحية شكلية بل هي تهيئة نفسية عميقة تنقل الطالب من حالة الاسترخاء إلى حالة التركيز الكامل. الجسد يتبع العقل. حين تقف وتنحني فأنت تخبر عقلك أن وقت الجد قد بدأ. وبعد انتهاء الحصص لا يغادر الطلاب بل يشاركون في تنظيف فصولهم ومدارسهم في وقت يسمى أو سوجي لمدة عشرين دقيقة. ويقدمون وجبات الغداء لزملائهم في نظام كيوشوكو. الخمس وأربعون دقيقة في اليابان ليست لحشو المعلومات. هي جزء من منظومة متكاملة تبني المسؤولية والانتماء والاحترام.لو قمنا بإسقاط هذه النماذج على واقعنا التربوي لوجدنا مفارقة مؤلمة. نحن استوردنا قالب الخمس وأربعين دقيقة لكننا أفرغناه من محتواه. دراسة حديثة نشرت عام ألفين وأربعة وعشرين للباحثة بيترا كوتنيك وزملائها في دورية آفاق في علم النفس أثبتت أن الحصص المتتالية الطويلة تسبب إرهاقا ذهنيا حقيقيا يتراكم مع الوقت. الإرهاق يزداد بشكل ملحوظ مع كل حصة جديدة دون فترات راحة كافية. والاستراحة حين تأتي تخفف الإرهاق لكنه يعود بقوة أكبر في الحصة التالية. في مدارسنا يتلقى الطالب ست أو سبع حصص متتالية تتخللها استراحة قصيرة واحدة أو اثنتين. التركيز ينصب على التلقين وحشو المناهج لإنهاء المقرر قبل نهاية الفصل. المعلم يركض ضد الزمن. والطالب يغرق في بحر من الإجهاد المعرفي. لا أحد يسأل هل فهم الطالب ما سمعه. المهم أن المعلم أنهى الدرس. غياب الاستراحات الكافية يحول اليوم الدراسي إلى ماراثون مرهق يستنزف طاقة الطرفين دون أن يحقق التعلم الحقيقي.الخمس وأربعون دقيقة مدة كافية وعلمية إذا أحسنا إدارتها. لكنها تحتاج إلى إعادة هندسة جذرية في طريقة استخدامها. التوصية الأهم هي منح مرونة أكبر وزيادة فترات الراحة بين الحصص. يجب أن يتحول التركيز من كم المعلومات إلى جودة الفهم. بعض الأنظمة الحديثة بدأت بتجربة الحصص الممتدة لتقديم تعلم قائم على المشاريع والتجربة. لكن مهما كان شكل الجدول يظل الثابت الوحيد أن العقل البشري يحتاج إلى مساحات للتنفس. التعليم ليس حشوا للذاكرة بل بناء للإنسان. والبداية تكون باحترام إيقاع هذا العقل. منحه الوقت الكافي للتعلم. والوقت الكافي للراحة. والوقت الكافي ليكون إنسانا.
سر الـ 45 دقيقة.. لماذا تستقر الحصة المدرسية عند هذا التوقيت؟
د. أحمد رفيق عوض : مدير مركز المتوسط للدراسات الإقليمية
اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
💬 التعليقات (0)