من خلف نافذة منزلها، تراقب عائشة حسن المشهد بصمت. لا تستطيع الخروج كما اعتادت، ولا تعرف متى يمكن أن ينتهي الحصار المحيط ببيتها. في الخارج، يتحرك مستوطنون قرب المنزل، وفي الداخل تحاول عائشة أن تحمي عائلتها وأن توثق ما يجري بهاتفها، خشية أن تختفي التفاصيل كما تختفي أصوات كثيرة تحت وطأة العنف. منذ أيام، تعيش عائلات فلسطينية في أطراف بلدة قصرة، جنوب نابلس، تحت حصار فرضه المستوطنون على منازلها وسط صعوبة الوصول إلى المياه والكهرباء والغذاء. عائشة، البالغة 35 عامًا، واحدة من سكان المنازل المحاصرة. ومن نافذتها، تحولت يوميات الخوف إلى تسجيلات مصورة؛ توثق وجود المستوطنين في محيط المنزل وتحركاتهم بالقرب منه، وكأنها تحاول أن تجعل من هاتفها نافذة أخرى تطل منها قصتها إلى العالم. لم يعد البيت بالنسبة إليها مكانًا مغلقًا على العائلة فحسب، بل صار مساحة محاصرة من الخارج، ومساحة للانتظار من الداخل.
"نحن خائفون جدًا". بهذه الكلمات وصفت عائشة حالها، فيما استمر وجود المستوطنين في محيط المنازل لأيام. وبحسب إفادات السكان وتقارير صحفية نقلت عن رويترز، كان نحو 15 فلسطينيًا، بينهم طفلان، عالقين داخل المنازل التي طوقها المستوطنون. البيت الذي لم يعد آمنًا لم يبدأ الخوف في منزل عائشة مع الحصار الأخير. تقول روايات السكان إن الاعتداءات على المنازل والممتلكات في المنطقة تكررت خلال الأشهر الماضية، وشملت تحطيم نوافذ وأبواب، وقطع خطوط الكهرباء، وإتلاف ألواح الطاقة الشمسية، والاعتداء على المحاصيل والممتلكات، إضافة إلى رشق المنازل بالحجارة. وفي إحدى الحوادث التي روتها العائلة، حاول مهاجمون إلقاء أسطوانة غاز للطهي عبر نافذة المنزل، فيما تحدث السكان عن إطلاق نار وقنابل مولوتوف استهدفت المنطقة. هكذا، لم يعد الخطر يأتي فقط من لحظة اقتحام أو هجوم عابر؛ بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية، يطل من النافذة، ويُسمع في الخارج، ويجعل أبسط حركة داخل المنزل مرتبطة بالسؤال: ماذا يحدث الآن؟ وتشير تقارير حقوقية وصحفية إلى أن قصرة شهدت خلال السنوات الماضية اعتداءات دامية من مستوطنين، في سياق تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
لا ماء.. ولا طريق للخروج مع استمرار الحصار، لم تكن المشكلة في الخوف وحده. كان الوصول إلى الاحتياجات الأساسية معقدًا. حاول ناشطون إيصال الطعام والمياه إلى العائلات، لكن الوصول المباشر إلى المنازل تعرقل بسبب إغلاق المنطقة ووجود القوات الإسرائيلية فيها. اضطر السكان في بعض الحالات إلى الوصول إلى طريق ترابي لاستلام المساعدات ثم نقلها إلى منازلهم. حتى المرض لم يعد يملك طريقًا سهلًا إلى البيت. فبحسب إفادات نقلتها وسائل إعلام، أصيبت طفلة صغيرة بحمى خلال فترة الحصار، وحاولت سيارة إسعاف الوصول إليها قبل أن يمنعهم جنود الاحتلال. في منزل عائشة، كما في المنازل الأخرى، أصبح الخروج مخاطرة، وأصبح دخول الطعام والماء حدثًا يحتاج إلى وساطة، وأصبحت سيارة الإسعاف التي يفترض أن تكون رمزًا للنجدة تواجه هي الأخرى طريقًا مسدودًا.
ثلاثة منازل بدأ التصعيد بعدما أقام مستوطنون خيمة قرب المنازل الفلسطينية المحاصرة، في خطوة رأى السكان أنها جزء من محاولة للضغط عليهم ودفعهم إلى ترك المكان. وأظهرت تسجيلات مستوطنين قرب خيمة أقيمت بجوار أحد المنازل، فيما ظهر أحدهم وهو يرشق الحجارة باتجاه المنطقة.
كلما اقترب المستوطنون من المنزل، رفعت عائشة هاتفها. تسجل. بيت فيه أطفال ينتظرون. وأم تراقب. وعائلة تحاول أن تحصل على الماء والطعام. وفي الجهة الأخرى من النافذة، مستوطنون أقاموا وجودهم حول المكان الذي يفترض أن يكون ملاذًا آمنًا. قصرة ليست مجرد قصة منزل حاصرته خيمة. إنها قصة أرض تُضيَّق على أصحابها خطوة بعد أخرى، حتى يصبح البقاء داخل البيت نفسه فعل مقاومة.
💬 التعليقات (0)