لا يبدو التصعيد الإسرائيلي المتواصل في غزة ولبنان مجرد سلسلة من العمليات العسكرية والأمنية المنفصلة، أو ردود فعل على تهديدات تفرضها تطورات الميدان. فخلف هذا التصعيد حسابات سياسية وأمنية أوسع، ترتبط بمستقبل الحرب، وبالمرحلة الانتقالية في قطاع غزة، وبموقع إسرائيل في الترتيبات الإقليمية التي تحاول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دفعها إلى الأمام.
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، التي لم يتبق عليها سوى أقل من شهرين ونصف، يصبح الحفاظ على صورة نتنياهو باعتباره رجل الأمن والحرب عاملاً سياسياً أساسياً. فكلما بقيت القضايا الأمنية في مقدمة المشهد، أمكنه إعادة تنظيم المنافسة الداخلية حول مفهوم الأمن والتهديد، وإبعاد النقاش قدر الإمكان عن إخفاقات حكومته وعن مستقبل غزة وعن المسؤولية السياسية عن الحرب.
في غزة، يريد نتنياهو الحفاظ على القدرة العسكرية الإسرائيلية وعلى حرية الجيش الإسرائيلي في العمل، ومنع تحول المرحلة الانتقالية إلى مسار سياسي مستقل عن إسرائيل.
فالمسألة بالنسبة إليه ليست فقط وقف إطلاق النار، أو السماح بدخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة وممارسة مهامها، والتي لم نسمع منها حتى الآن موقفاً واضحاً ضد استمرار الاغتيالات، أو حتى ما يتسرب إعلامياً بشأن إقامة منطقة إنسانية في رفح، وما يثيره ذلك من مخاطر على بدء عملية إعمار شاملة للقطاع بدل تجزئة عملية الإعمار وربطها بترتيبات أمنية وجغرافية، ولا دخول قوة دولية إلى القطاع، وإنما من يملك القرار الفعلي في غزة، ومن يحدد شروط المرحلة المقبلة، وما إذا كان الانتقال سيقود في النهاية إلى انسحاب إسرائيلي كامل، أم إلى ترتيبات أمنية تضمن لإسرائيل استمرار السيطرة والنفوذ.
ولهذا فإن استمرار الاغتيالات والعمليات العسكرية، حتى مع الادعاء بخفض وتيرتها أو إعادة تقديمها تحت عناوين أمنية مختلفة، يؤدي وظيفة سياسية أيضاً، ويمنع تثبيت واقع جديد تسبق فيه الترتيبات السياسية الترتيبات الأمنية التي تريد إسرائيل فرضها.
وفي لبنان، تبدو الوظيفة مختلفة جزئياً. فإسرائيل تريد تثبيت معادلة مفادها أن وقف إطلاق النار أو أي ترتيبات سياسية لا تعني تقييد حرية الجيش الإسرائيلي في تنفيذ عمليات عسكرية عندما ترى أن هناك تهديداً أمنياً. ولذلك فإن التصعيد في الجنوب اللبناني يمثل أيضاً رسالة ردع، ليس فقط إلى حزب الله، وإنما إلى أي طرف يحاول وضع قيود سياسية على حرية إسرائيل في استخدام القوة.
💬 التعليقات (0)