الأحد 16 أغسطس 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس
يمتلك المال العربي اليوم قدرةً غير مسبوقة على التأثير الأوسع في شكل الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل عالمٍ متحركٍ ومتقلبٍ بصورةٍ غير مسبوقة، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح لهو أكبر من حجم هذا المال وما ارتبط به من ثرواتٍ وأرقام: ماذا يستفيد الشباب العربي من هذه الثروات؟ وما مدى أثرها في فلسطين؟تكشف قائمة "فوربس الشرق الأوسط" لهذا العام عن أقوى الرؤساء التنفيذيين العرب الذين يقيمون في 8 دول بالمنطقة، بواقع 49 في الإمارات، و18 في السعودية، و11 في قطر؛ بحيث تضم تلك القائمة -في مشهد اقتصادي لافت- 102 قيادة تنفيذية، يتصدرها الإماراتيون بـ31 رئيساً تنفيذياً، يليهم المصريون بـ15، والسعوديون بـ13، فيما يستحوذ قطاع البنوك والخدمات المالية على النصيب الأكبر بـ30 قيادة تنفيذية.وتضع هذه الأرقام أمامنا سؤالاً آخر: كم من هؤلاء القادة يراهن على التكنولوجيا بوصفها صناعة المستقبل، لا مجرد أداة لتحسين الأعمال؟يتصدر القائمةَ قطاعا البنوك والخدمات المالية، بحيث لم تعد التكنولوجيا قطاعاً منفصلاً يمكن عزله عن بقية القطاعات. فقد دخل الذكاء الاصطناعي مثلاً إلى المال والطاقة والصحة والنقل والعقار والتعليم، فيما تتجه الشركات العربية الكبرى بصورةٍ متزايدةٍ إلى الاستثمار في تكنولوجيا كهذه، إضافة إلى الاستثمار في البنى التحتية الرقمية، والتحول الطاقي، والتصنيع المتقدم والمستند إلى عوالم الأتمتة، والرجل الآلي، والتحكم عن بُعد.. وغيرها الكثير من مكونات ما يُعرف بالتصنيع الذكي.ويظهر ذلك الأمر في العديد من الشركات، مثل: مجموعة "إي إف جي" القابضة، وبيت التمويل الكويتي، وبنك أبو ظبي الأول، وشركة ألفا ظبي القابضة، وميرال، وشركة تنمية نفط عُمان، وقائمة من الشركات القطرية وغيرها؛ وهي مؤسسات تنتمي إلى قطاعات مختلفة، لكنها تتحرك جميعها داخل اقتصاد واحد تتزايد فيه -وبصورةٍ لافتة- قيمة المعرفة وصناعتها، وعوامل التخطيط، ومقومات التقانة الحديثة والحوسبة السحبية، إضافة إلى تكنولوجيا البيانات والتحكم عن بُعد وقائمة تتعاظم من مكونات الذكاء الاصطناعي.يظل السؤال الأهم، مع ذلك، خارج مجالس الإدارة المعهودة: أين يقف الشباب العربي يا تُرى في معادلة الشباب المقتدر؟ وأين تقف فلسطين في تلك المعادلة؟إن حال الأمة العربية اليوم إنما يخلق وضعاً سياسياً ومالياً تحتاج معه المنطقة إلى أكثر من الوظائف التقليدية؛ فهي تحتاج إلى شبابٍ يمتلكون مهارات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وتقنيات الأمن السيبراني، وريادة الأعمال، والطاقة النظيفة. وهنا يصبح الاستثمار الحقيقي في الشباب، خاصة شباب فلسطين، أكثر من منحة أو مبادرة موسمية؛ بل محور لبناءٍ خلاق لرأس مال بشري قادر على صناعة اقتصاد عربي جديد، قائم على المثل الصيني الشهير: لا تعطِني السمك وإنما علِّمني كيف أصطاده.وعليه، ستتبدل الأسئلة الموجهة لقائمة الأثرياء العرب الشباب بحيث لا يسألون أنفسهم: كم من المال أعطينا لفلسطين والعرب؟ إلى : كم جامعةً دعمنا؟ وكم مختبراً أسسنا؟ وكم شركة ناشئة احتضنا؟ وكم شاباً منحناه فرصة لدخول عوالم الذكاء الاصطناعي والتقانة لم يكن لولاها يستطيع الوصول إليها؟ وكم مسرعة للأعمال أوجدناها؟ وكيف ارتبط كل ذلك باحتياجات السوق العربي وإمكاناته وفرصه؟إن الثروة العربية، خاصة للشباب العرب، إنما ستتطور قيمتها حين تنتقل من الامتلاك إلى التمكين، ومن التراكم إلى الأثر، ومن حسابات مصرفية إلى عقول قادرة على صناعة المستقبل، وتغيير الواقع المظلم وتحفيز الإبداع، واستنهاض المعرفة وتوظيف الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، وبناء الشخصية العربية المستندة إلى الفعل لا الأحلام، بصورةٍ تنفض معها وعن كاهلها رواسب الحروب والطائفية والتشدد والشرذمة.يحتاج شباب العرب اليوم، في ما يحتاجون إليه، إلى من يؤمن بهم، لا من يتحدث عنهم فقط، بينما يحتاج أصحاب الثروة إلى إدراك حقيقة بسيطة: أفضل استثمار يمكن أن يتركه الغني وراءه ليس ما يملكه فحسب، بل ما يتركه من أثر في عقول الآخرين، وما يراكمه من عقل تبديلي قائم على التنمية لا المساعدات، والفعل لا الشعارات.فالثروة التي تبني مدرسة أو مختبراً أو شركة ناشئة أو مساحة للذكاء الاصطناعي لا تنفق مالها في مكانها فحسب، بل تزرع احتمالات تنويرية جديدة في مجتمع بأكمله، تنشله من براثن الوجع والألم والجوع بعد أن كانت ترقد بلاده وأشقاؤه على مخزون هائل من الثروات التي تاجر بها الطامعون وغربانهم وشياطينهم. لذلك حين يلتقي رأس المال العربي الهادف اليوم بالعقل الشاب، تتحول الفرصة إلى ابتكار، والابتكار إلى عمل، والعمل إلى اقتصادٍ أكثر قدرةً على الصمود.هذه في الواقع فرصة للشباب العربي المقتدر والمتنور لكي يتفكر بمحيطه العربي، وليستقي الدروس والعبر، وليقتنع بأن تجارب اليوم والأمس القريب أكدت أن أولئك الذين صنعوا أمجادهم من حولنا هم من استثمروا في التشدد الديني والطائفية والفقر والجوع والاقتتال والفرقة والوقيعة في العالم العربي، وأن الفرصة باتت سانحة اليوم لنشأة وتطور القناعة بأن وسائل التقانة، خاصة الذكاء الاصطناعي، إنما توفر مساحة مهمة لقلب الأمور من مربعات اليأس والخديعة والدسائس إلى مربعات الأمل والتطور والازدهار والاستثمار. ويبدأ الاستثمار الحقيقي حين ينتقل الشاب من مقعد المتلقي إلى موقع الشريك، ومن انتظار الوظيفة إلى صناعة الحل، ومن استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها، عندها فقط يصبح المال العربي شريكاً في نهضة الشباب العربي المستقبلية، في ظل ثلة من الشباب العربي الثري الذي -رغم النكبات المتتابعة- استطاع أن ينزع الاعتراف بقدراته وكفاءاته وحضوره اللافت.فليكن الذكاء الاصطناعي ذكاءً حقيقياً لعالمٍ عربيّ شهد كوارث أمته وكبواتها، فقرر الثورة عليها برسم معالم التغيير والتطوير والحداثة. للحديث بقية![email protected]
أغنياء العرب الشباب.. هل يستثمرون في الشباب؟
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)