الكاتب: د. مروان إميل طوباسي
لم أكن أرغب في تناول هذا الموضوع مرة أخرى في مقالاتي، إلا أنه وبعد النقاش الذي أثاره مقالي السابق حول تخفيض عدد المقاعد المخصصة للمواطنين المسيحيين "أبناء الوطن الواحد" في المجلس التشريعي، من عشرين إلى سبعة، لا بد من توضيح مسألة أساسية. فلو كان التخفيض قد جاء متناسباً مع خفض عدد أعضاء المجلس التشريعي من 200 إلى 132، لأمكن فهم أن يصبح العدد في حدود ثلاثة عشر مقعداً. لكن ما حدث تجاوز مسألة النسب والتناسب والحساب، وأصبح يطرح أسئلة تتعلق بالتعددية وبمنهج صناعة القرار ومصداقيته.
فالتوصية التي رُفعت أصلاً من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بإجماع أعضائها، كانت بتخصيص ما يقارب خمسة عشر مقعداً، أصدر الرئيس بناءً عليها في 12 تموز الماضي مرسوماً حددها بعشرين مقعداً على الأقل، قبل أن يصدر قبل أيام قليلة في 10 آب مرسوم جديد يخفضها إلى سبعة ويلغي المرسوم السابق. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي تغير خلال أقل من شهر حتى يستدعي هذا التراجع والتخفيض؟
فإذا كانت الأسباب والظروف التي استند إليها المرسوم الأول لم تتغير، فما الأسباب التي أوجبت إلغاءه بعد أسابيع؟ فمن حق الرأي العام أن يعرف لماذا تغير القرار، وعلى أي أساس، خصوصاً أن الأمر لا يتعلق بقرار إداري عابر، بل ببنية المجلس التشريعي المقبل وبمبدأ التمثيل السياسي وتعددية مجتمعنا.
ومن هنا، فإن اتهام المطالبين بالحفاظ على ما جاء في المرسوم الأول من نسبة وتناسب، وعلى تمثيل يضمن التعددية التشاركية بالواجب والحق، بأنهم ينطلقون من دوافع طائفية، يقلب المسألة رأساً على عقب. فالطائفية ليست في الدفاع عن مشاركة مكوّن أصيل من مكونات الشعب الفلسطيني، يتراجع تعداده بفعل عوامل متعددة، في مقدمتها سياسات الاحتلال والاقتلاع والتهجير المستمرة حتى اليوم منذ حملات الفرنجة "الصليبية" التي استهدفت بالأساس المكون المسيحي العربي المشرقي، الذي يصفه شركاؤه في الوطن بأنه «ملح الأرض»، ولا في المطالبة باحترام قرار رئاسي صدر بهذا الخصوص.
بل إن الخشية من تكريس الطائفية تبدأ عندما تتحرك مراكز نفوذ وقوى بمنطق فئوي للضغط من أجل تقليص تمثيل مكوّن وطني بعينه وتخفيض عدد المقاعد المخصصة له. فحين يصبح حجم مشاركة هذا المكوّن أو ذاك موضوعاً لموازين النفوذ والضغط، يكون من مارس هذا الضغط هو من أدخل المنطق الطائفي إلى المجال السياسي، لا من طالب بحماية التشاركية والتعددية الوطنية واحترام القرارات والمراسيم.
💬 التعليقات (0)