كشفت موجة الهجرة الجماعية الأخيرة نحو جيب سبتة الإسباني عن تحولات عميقة في دوافع المهاجرين المغاربة، حيث يرى باحثون أن المحرك لم يعد يقتصر على العوز والبطالة كدوافع تقليدية. وتأتي هذه الموجة في وقت يشهد فيه المغرب تنمية اقتصادية ملحوظة، مما يشير إلى وجود أبعاد اجتماعية ونفسية تتجاوز الحاجة المادية المباشرة.
خلال يومين فقط من أواخر شهر تموز/يوليو، تدفق عشرات الآلاف من المواطنين المغاربة، بينهم نسبة كبيرة من القاصرين، نحو المعبر الحدودي إثر شائعات حول فتح الحدود. وأكدت مصادر ميدانية أن نحو 72 ألف شخص تمكنوا من الدخول فعلياً قبل أن تضطر الغالبية العظمى منهم للعودة، وسط تقارير عن وقوع ضحايا وفقاً للسلطات ومنظمات حقوقية.
المفارقة الصارخة تكمن في أن هذه الموجة تزامنت مع تسجيل المغرب نمواً اقتصادياً لافتاً بلغت نسبته 5% في عام 2025. ويسود تفاؤل رسمي باستمرار هذا الزخم الاقتصادي، خاصة مع إطلاق استثمارات ضخمة في البنى التحتية وقطاع الخدمات تحضيراً لاستضافة كأس العالم 2030 بالتعاون مع إسبانيا والبرتغال.
ويشير محمد بنعيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، إلى أن الفئات المشاركة في الموجة الأخيرة تبدو أكثر تنوعاً من الناحية الاجتماعية. حيث شملت أشخاصاً يتمتعون بأوضاع اقتصادية مقبولة نسبياً، مما يعزز فرضية أن الدافع ليس الجوع، بل البحث عن آفاق أرحب لا يجدونها في بيئتهم الحالية.
من بين النماذج التي رصدتها مصادرنا، حالة سعيد طريبق، وهو حرفي من مدينة طنجة يبلغ من العمر 38 عاماً، والذي توجه للمعبر بسيارته الخاصة برفقة أطفاله. سعيد الذي يصف وضعه المادي بـ 'المقبول'، يرى أن العمل في إسبانيا قد يمنح أطفاله مستقبلاً أفضل، معتقداً أن الجهد الذي يبذله في المغرب سيؤتي ثماراً أكبر في أوروبا.
وتتكرر هذه الرؤية لدى فئة القاصرين، حيث يعبر أيوب الأبيض، وهو طالب متفوق في المرحلة الثانوية، عن قلقه من عدم الحصول على وظيفة تليق بطموحاته مستقبلاً. هذا القلق يعكس فجوة بين النجاح الأكاديمي والثقة في سوق العمل المحلي، مما يدفع الشباب للتفكير في الهجرة كخيار استباقي.
💬 التعليقات (0)