ليست الكتب التي تتناول الصين كثيرة بالمعنى الذي يجعلها قادرة على الاقتراب من روح التجربة الصينية، بعيداً عن الصور الجاهزة والانطباعات العابرة، فالصين، بما تختزنه من تاريخ وحضارة وتحولات اقتصادية واجتماعية وفكرية، تحتاج إلى عين ترى ما وراء المشهد، وإلى قراءة لا تكتفي بوصف ما يحدث، بل تحاول فهم الدوافع العميقة التي صنعت هذا التحول الاستثنائي، ومن هذه الزاوية يأتي كتاب «في حضرة الصين: تأملات في الحضارة والتحول والعالم القادم» للكاتب الفلسطيني محمد علوش، والذي صدر عن منشورات الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين مؤخراً، بوصفه محاولة فكرية وأدبية للاقتراب من الصين من داخل تجربتها، لا من خارجها.
لا يقدم علوش الصين باعتبارها صورة مكتملة أو نموذجاً قابلاً للاستنساخ، ولا يتعامل معها من موقع المراقب البعيد الذي يكتفي بتسجيل مظاهر التقدم والعمران، بل يذهب أبعد من ذلك، إلى الأسئلة التي تقف خلف التجربة: كيف استطاعت الصين أن تجمع بين إرث حضاري ضارب في التاريخ ومشروع حديث واسع المدى؟ كيف تحولت من بلد أنهكته الحروب والفقر والتدخلات الخارجية إلى قوة عالمية مؤثرة؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه العالم، ولا سيما شعوب الجنوب، من هذه التجربة؟
في الكتاب حضور واضح لفكرة أن الحضارة ليست متحفاً للماضي، وإنما قدرة متجددة على إنتاج المستقبل، ومن هنا تبدو الصين لدى علوش مساحةً للحوار بين القديم والجديد، بين الذاكرة والتحديث، وبين الهوية والانفتاح على العالم، وهو حوار لا يخلو من التناقضات والتحديات، لكنه يكشف عن خصوصية التجربة الصينية في قدرتها على بناء مسارها الخاص بعيداً عن القوالب الجاهزة.
ولعل ما يمنح الكتاب خصوصيته أن مؤلفه لا يكتب عن الصين من موقع الباحث الأكاديمي المتخصص فحسب، بل من موقع المثقف الفلسطيني الذي يحمل معه أسئلة وطنه وقضيته وهموم العالم العربي، لذلك تصبح الصين في صفحات الكتاب مناسبة لإعادة التفكير في قضايا أوسع: التنمية، العدالة الاجتماعية، الاستقلال الوطني، مكافحة الفقر، بناء الدولة، ودور الإنسان في صناعة التحولات الكبرى.
وهنا تتقاطع التجربة الصينية مع الأسئلة الفلسطينية بصورة لافتة، فحين يتأمل علوش ما أنجزته الصين في مجالات التنمية والقضاء على الفقر وبناء البنية التحتية وتطوير التعليم والعلوم والتكنولوجيا، لا يفعل ذلك بدافع الإعجاب وحده، وإنما من موقع السؤال: ماذا تستطيع الشعوب أن تفعل حين تمتلك إرادة سياسية، ورؤية استراتيجية، ومشروعاً وطنياً يضع الإنسان في مركز عملية التنمية؟
إن أهمية الكتاب لا تكمن في تقديم إجابات نهائية، بل في أنه يفتح نوافذ جديدة للتفكير، فالصين التي يكتب عنها علوش ليست الصين التي تختصرها التقارير الاقتصادية، ولا الصين التي تختزل في أرقام النمو وحجم التجارة، إنها الصين التي تتجاور فيها الحضارة مع السياسة، والفلسفة مع الاقتصاد، والقرية مع المدينة، والذاكرة التاريخية مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
💬 التعليقات (0)