في الحقل، تمضي الدابة بعربتها المحملة بالسنابل، بينما يواصل محمد المبروك القصاب حصاد القمح كما عرفه منذ طفولته، بالمنجل والشبكة، وبصحبة زوجته، وبطقوس لا يرى فيها مجرد صورة من الماضي.
الفلاح والشاعر الشعبي التونسي، البالغ 74 عاما، يتمسك بما يسميه "عيشة البادية"؛ حياة تبدأ بصلاة الفجر وتفقد الأغنام، ثم التوجه إلى الأرض لجمع المحصول ونقله على ظهر الجمل إلى "المندرة" (البيدر)، وهي الساحة أو المكان المخصص لجمع السنابل بعد حصادها. وبين العمل والأهازيج والشاي المعد على الحطب، يحاول الرجل أن يحفظ ذاكرة كاملة يخشى أن تخفت مع غياب أدواتها القديمة.
ويقول القصاب، الذي يشارك في فعاليات "مهرجان المندرة" منذ نحو 25 عاما، إنه يتمنى أن يعود الناس إلى ما عاشته البادية من حرث وحصاد بالدواب: "ماذا بيا (بودي) الناس ترجع للحصاد والحرث بالزايلة (الدابة).. عيشة البادية تعجبني".
يبدأ محمد المبروك القصاب يومه باكرا بالوضوء وصلاة الفجر، ثم يتفقد أغنامه قبل أن يجهز أدوات الحصاد، ومنها شبكة كبيرة و"جلامة" وهي منجل يدوي مقوس، وبعد ذلك يتوجه إلى الحقل فقة زوجته حدة المومني.
يحصد الرجل السنابل، فيما تساعده زوجته في جمعها وترتيبها، قبل أن يربطاها في الشبكة ويحملها على ظهر الجمل ويقصد بعدها "المندرة"، حيث تُفرغ الحزمة على الأرض استعدادا لمراحل الدراس التقليدية.
وفي مهرجان المندرة، الذي حمل في دورته الحادية عشرة شعار "ذاكرة الأرض"، تظهر تفاصيل من هذه الحياة الريفية القديمة، مثل دواب تجر أدوات الدراسة، ورحى لطحن القمح، وغربال ومذراة خشبية، إلى جانب جمل مزين بهودج تقليدي.
💬 التعليقات (0)