لم تعد الحرب في جنوب لبنان تُقاس فقط بعدد الغارات أو حجم الدمار الذي يلحق بالمنازل والقرى، بل باتت تُقاس أيضاً بما تتركه النيران خلفها من غابات محترقة وأراضٍ زراعية مدمرة وبساتين زيتون تحولت إلى رماد. فبحسب تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» وأعده ويليام كريستو، اتهم مسعفون وسكان وجماعات بيئية القوات الإسرائيلية بإشعال حرائق متعمدة في مناطق واسعة من جنوب لبنان، من خلال استخدام ذخائر حارقة وطائرات مسيرة وقذائف أدت إلى اشتعال الأحراش والغابات والحقول الزراعية، وتكتسب هذه الاتهامات خطورتها من كونها تأتي بعد وقف إطلاق النار الذي أنهى جولة من القتال بين إسرائيل وحزب الله، إذ كان يفترض أن يكون وقف النار بداية لتهدئة المنطقة وعودة السكان إلى أراضيهم، فإذا بالنار تواصل رسم حدود جديدة للخوف، وتحول مساحات من الجنوب إلى مناطق يصعب الوصول إليها أو استثمارها.
ما نقلته الصحيفة عن رجال الإطفاء والدفاع المدني والسكان يرسم صورة مقلقة؛ إذ يؤكد عاملون في مواجهة الحرائق أن جزءاً كبيراً من مهامهم بات مرتبطاً بإخماد النيران التي تشتعل في المناطق القريبة من خط المواجهة، فيما تحدث مسؤول في الدفاع المدني بمنطقة النبطية عن تأثر نسبة كبيرة من الأراضي القريبة من الحدود بالحرائق، والأخطر أن محاولات فرق الإطفاء الوصول إلى بعض المواقع المشتعلة واجهت مخاطر أمنية، من بينها ضربات بطائرات مسيرة، الأمر الذي أجبر فرق الإنقاذ في بعض الحالات على الانسحاب، وهنا لا تصبح المشكلة مجرد حريق يحتاج إلى مياه ومعدات، بل تتحول عملية إطفائه نفسها إلى مهمة محفوفة بالمخاطر.
وتشير الشهادات التي أوردها التقرير إلى اندلاع حرائق في مناطق متعددة من جنوب لبنان، بما فيها الأحراش وبساتين الزيتون والأراضي الزراعية، كما تحدثت فرق الدفاع المدني عن حرائق اندلعت في محيط كفرشوبا ومناطق أخرى كثيفة الغابات، وإذا صحت هذه الاتهامات، فإن المسألة تتجاوز الأضرار العرضية التي ترافق عادة العمليات العسكرية، لأن تكرار إشعال الحرائق واستهداف المناطق الزراعية والحرجية بعد توقف القتال يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل أصبحت الأرض نفسها جزءاً من أهداف الحرب؟
فالزراعة في جنوب لبنان ليست مجرد نشاط اقتصادي، بساتين الزيتون والحقول والغابات تمثل جزءاً من هوية السكان وذاكرتهم ومصدر رزقهم وارتباطهم بأرضهم، وعندما تحترق شجرة الزيتون لا يخسر صاحبها محصول موسم واحد فقط، بل قد يخسر شجرة احتاجت سنوات طويلة حتى تنمو وتصبح منتجة، وعندما تحترق الغابة، فإن الخسارة لا تتوقف عند الأشجار التي يمكن رؤيتها بالعين، وإنما تمتد إلى التربة والحياة البرية والتنوع البيولوجي والمياه والنظام البيئي بأكمله.
وتزداد خطورة الأمر عندما تتزامن الحرائق مع صعوبة وصول فرق الإطفاء إلى المناطق المتضررة، فبحسب ما ورد في التقرير، يخضع تحرك فرق الإطفاء في بعض المناطق لتنسيق أمني مع الجهات العسكرية، ما يحد من قدرتها على الوصول إلى بعض البؤر المشتعلة، وهذا يعني أن النار قد تجد الوقت الكافي للانتشار، وأن الحريق الذي كان يمكن السيطرة عليه في بدايته يمكن أن يتحول إلى كارثة بيئية واسعة.
إن استهداف البيئة في زمن الحرب ليس قضية هامشية، لأن تدمير البيئة يعني في كثير من الأحيان تدمير مقومات العودة إلى الأرض، فحين تُحرق الغابات وتُقتلع الأشجار وتُدمر الأراضي الزراعية وتصبح المنطقة ملوثة أو خطرة بسبب مخلفات الذخائر، فإن السكان الذين يرغبون في العودة يجدون أنفسهم أمام أرض لم تعد قادرة على توفير الحياة التي كانت توفرها قبل الحرب، وهنا يصبح الدمار البيئي جزءاً من الدمار الاجتماعي والاقتصادي، وقد يتحول مع مرور الوقت إلى عامل إضافي يدفع السكان إلى الهجرة أو الابتعاد عن مناطقهم.
💬 التعليقات (0)