تتكثف الهجمة الاستيطانية على مدينة القدس، والتي تأخذ شكل الأطواق الاستيطانية الدائرية، واختراق القرى والبلدات المقدسية التي لا يوجد فيها وجود يهودي، حيث السعي إلى استدخال وجود استيطاني يهودي في عمق النسيج العربي المجتمعي. ونحن نشهد كثافة الإقرار والتنفيذ لمشاريع استيطانية، يمولها رجال أعمال يهود، في العديد من الأحياء المقدسية، حيث إن اختراق تلك الأحياء يستهدف تشويه المشهد البصري والهوية العمرانية والحضرية لتلك الأحياء، وتغيير بنيتها الديمغرافية والجغرافية، وتحويلها إلى جزر متناثرة في محيط إسرائيلي واسع، يحولها إلى وحدات مجتمعية مستقلة، دون تواصل جغرافي وديمغرافي مع محيطها من القرى المقدسية الأخرى، في إطار سياسة التفكيك و"التذرير" لتلك القرى، وإشغالها بهمومها الخاصة، بعيداً عن الهم الوطني العام. ناهيك عن أن وجود تلك البؤر الاستيطانية في قلب الأحياء العربية يؤجج الصراعات مع المستوطنين، ويشكل قيوداً على حركة وتنقل السكان العرب، ويشل حركتهم وحياتهم العامة في المناسبات اليهودية الدينية والقومية، ويشوه واقعهم العمراني؛ إذ إن الأبنية في تلك القرى والبلدات، والمساكن فيها، لا يزيد ارتفاعها عن ثلاثة أو أربعة طوابق، بسبب القيود التي تفرضها بلدية الاحتلال على البناء ومنح التراخيص في تلك القرى والبلدات المقدسية، في حين أن البناء الاستيطاني سيصل إلى عشرة أو أربعة عشر طابقاً في البؤر الاستيطانية التي ستقام في قلب الأحياء العربية.
أما بالنسبة للأطواق الاستيطانية واختراق القرى والبلدات المقدسية، فعدا الأهداف التفكيكية و"التذريرية" لجغرافيا وديمغرافيا تلك الأحياء، وعزلها جغرافياً وديمغرافياً عن بعضها البعض، فهناك أهداف أخرى لها علاقة بتقليص الوجود العربي الفلسطيني في المدينة، وقلب واقعها الجغرافي والديمغرافي لصالح المستوطنين، وتغيير مشهدها الكلي من مشهد عربي إسلامي - مسيحي أصيل إلى مشهد يهودي تلمودي - توراتي مصطنع.
وهنا تأتي الأهداف الكبرى بإعادة "هندسة" الوجود الفلسطيني في القدس، جغرافياً وديمغرافياً، مع محيطها الفلسطيني، بإقامة مشاريع استيطانية ضخمة تغلق كل بوابات تواصلها الجغرافي والديمغرافي مع المحيط الفلسطيني في الضفة الغربية. حيث نشهد، في شمال المدينة، العمل على إقامة مشروع استيطاني ضخم على أرض مطار مدينة القدس، بـ 9000 وحدة استيطانية، بالإضافة إلى وضع حجر الأساس لمركز تراث يهودي، بما يحول المنطقة إلى مركز سياحي وتعليمي، ويشطب الرواية والسردية الفلسطينية، لصالح رواية وسردية يهودية، بالإضافة إلى ربط المكان بشخصيات سياسية وعسكرية إسرائيلية، من خلال معارض لما يسمى بتاريخ الطيران والاستيطان اليهودي، وأجنحة تمجد شخصيات عسكرية ودينية يهودية، تخليداً لذكراهم، ومنهم يوني نتنياهو، شقيق رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي قُتل في عملية لتحرير رهائن إسرائيليين في مطار عنتيبي الأوغندي عام 1976.
هذا المشروع الاستيطاني الضخم والمركز التراثي، ترافق مع توسيع الجدار بإزاحته باتجاه مخيم قلنديا، بهدم العشرات من المحلات التجارية، وكذلك إقامة محطة لمعالجة النفايات الصلبة على أرض مطار قلنديا، بما يهدم عشرات المنازل في المخيم، ويصادر ويدمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
هذا المشروع يغلق البوابتين الجغرافية والديمغرافية مع مدينة رام الله وشمال الضفة الغربية. وبالمقابل، هناك مشروع استيطاني آخر، وهو المعروف بإقامة مستوطنة إسرائيلية جديدة باسم "أي ون" في مستوطنة "معاليه أدوميم"، بـ 3401 وحدة استيطانية، تشطر شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وتغلق بوابة القدس الشرقية، وتُوجد تواصلاً جغرافياً بين تلك المستوطنة ومستوطنات شرق مدينة القدس مع مدينة القدس، وبما يقضي أيضاً على أي إمكانية لحل الدولتين والدولة الفلسطينية المستقلة.
أما في المنطقة الجنوبية الغربية، فتتكثف المشاريع الاستيطانية، وتتشكل حلقة دائرية استيطانية تحاصر الوجود الفلسطيني الجنوبي في القدس، وتمنع تواصله مع مدن جنوب غرب المدينة، مدن محافظة بيت لحم والخليل. وهذا الطوق الاستيطاني يمتد من مستوطنة جبل أبو غنيم "هارحاموه" إلى مستوطنة القناة السلفى، ومستوطنات "جفعات همتوس" و"جفعات هتحموتيس" على أراضي قرى بيت صفافا وشرفات، ومستوطنة "جفعات شاكيد" على أرضي قرية الولجة. وهناك توسعة لمشروع استيطاني جديد، نشرت تفاصيله منظمة "عير عميم" الإسرائيلية، بتوسيع مستوطنة "جيلو"، بإقامة مشروع استيطاني ضخم بـ 2300 وحدة استيطانية، على ما مساحته 195 دونماً، تصل إلى مشارف أراضي بيت جالا وشارع رقم 60 الاستيطاني.
💬 التعليقات (0)