قد يبدو الحديث عن المرحاض موضوعًا محرجًا أو غير لائق بالثقافة، لكن غزة ذكّرتنا بأن الكرامة الإنسانية تبدأ من أبسط الأشياء التي نتوقف عن ملاحظتها إلا حين نفقدها.
عندما نتحدث عن الثقافة، نتخيل فورًا رفوف الكتب، وقاعات الندوات، والأسئلة الكبيرة التي تتعلق بالحرية والهوية والمصير. لكننا ننسى أن الإنسان لا يعيش في المجازات وحدها، بينما يعيش أيضًا في التفاصيل الصغيرة التي تصنع يومه وتحدد درجة رضاه عن العالم من حوله.
من بين هذه التفاصيل.. يقف المرحاض ضروريًا لحد البداهة، ومُهملًا لحد الإنكار. الجميع يحتاج إليه، لكن قلة قليلة من المثقفين تجرؤ على الحديث عنه. كأن الاعتراف بهذه الحاجة الإنسانية البسيطة ينتقص من وقار المثقف، أو يهبط باللغة إلى مستوى الأرض.
فالثقافة التي تخجل من الجسد، تخجل من الإنسان نفسه. فكم من مسافرٍ قطع طريقًا طويلًا وهو يبحث بقلق عن مكان يحفظ كرامته؟ وكم من مريضٍ أعاد حساباته اليومية لأن المرافق العامة لا تراعي حاجته؟ وكم من أمٍّ حملت طفلها بين ذراعيها وهي تفتش عن مرحاضٍ نظيف في حديقة أو سوق؟ تلك ليست حكايات هامشية. إنها وجوه خفية لفكرة ومعنى الاحترام الذي يستحقه كل فرد في المجتمع.
لكن الحروب تعيد ترتيب أولوياتنا، وتكشف القيمة الحقيقية للأشياء التي اعتدنا وجودها حتى حسبناها أمرًا مفروغًا منه. فجأة أصبحت المرافق العامة، والماء، والخصوصية، قضايا تمسّ جوهر الكرامة الإنسانية.
ولعلّ حرب غزة الأخيرة قد كشفت بأكثر الصور إيلامًا، أن المرحاض شرطٌ من شروط الكرامة الإنسانية. ففي مراكز النزوح المكتظة، وبين الخيام التي ضاقت بسكانها، تحوّل غياب المراحيض ونقص المياه وانهيار شبكات الصرف الصحي إلى كارثة صامتة لا تقل فتكًا عن مشاهد الدمار الظاهرة.
💬 التعليقات (0)