ثمة أعمال فنية نشاهدها ثم نغادرها، وأعمال أخرى تغادر الخشبة معنا وتسكن في مكان يصعب تحديده بين الذاكرة والوجدان، تنتمي غنائية "أذكر" إلى النوع الثاني. فقد بقيت كلماتها وإيقاعاتها ترافقني، فأجدني أدندن بعض مقاطعها كأن العرض لم ينتهِ، وكأن الصوت الذي خرج من الخشبة وجد حياة أخرى داخلي.
كلما عدت إليها وجدت أن أثرها لا يأتي من الحنين، إنما من التوتر بين أمنية الرجوع وحتمية التقدم، تستعيد الغنائية طفولة لم تكن تعرف أن صباحها العادي يتجه نحو لحظة ستغير كل شيء، تبدأ بالمدرسة والحكاية وسباق الخيل وموسم الزيتون والأم وألعاب الفصول، ثم تتبدل نبرة العالم، فتعبر الطائرة سماء القرية، ويقع الحصار، ويبدأ الرحيل.
لم يكتب الشاعر والمربي الفلسطيني شكيب جهشان طفولته ليقدم سيرة شخصية مغلقة، بل جعلها مدخلاً إلى طفولة جيل عاش في القرية الفلسطينية قبل النكبة، ثم رأى عالمه يتغير تحت وقع الخوف والقصف والاقتلاع، وحصر زمن المطولة في المرحلة الممتدة بين عامه السابع وعامه الثالث عشر، واختار أحداثاً تجمع الخاص بالعام، فتحولت طفولته إلى مرآة لطفولة جمعية، وصارت القرية قادرة على تمثيل عالم فلسطيني أوسع.
تكشف المسودات المحفوظة ضمن مجموعة شكيب جهشان في أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي أن جذور "أذكر" تعود إلى مرحلة مبكرة سبقت صدورها في كتاب، وقد صدرت مطولة شعرية عام 1992، قبل أن يحولها مسرح الميدان إلى عمل مسرحي غنائي قُدّم للمرة الأولى في 19 شباط/فبراير 2000. تولى نبيل عازر التأليف الموسيقي والإخراج، ووضع كارم مطر التوزيع الموسيقي، وحملت الغنائية أصوات أشرف داوود وميرا عوض وجورجيت باسيلا، بمشاركة مجموعة مبدعة من الممثلين والراقصين، وهكذا تحولت ذاكرة الشاعر إلى لقاء حي بين الكلمة واللحن والصوت والجسد.
حين تبحث القصيدة عن جسدها
تبدو "أذكر" منذ بنائها الأول قصيدة تبحث عن جسد مسرحي يحملها، فقد بنى جهشان لوحات تتحرك فيها الشخصيات والأمكنة والأصوات، واستهلها بكلمة "أذكر"، كأنها ضربة توقظ في كل مرة طبقة جديدة من الذاكرة، وتدفع المستمع إلى فتح ذاكرته أيضاً، وبينما يستعيد الشاعر مدرسته وأمه وموسم الزيتون وحكاياته الأولى، نستعيد نحن ما يشبهها في حياتنا.
💬 التعليقات (0)