الخميس 13 أغسطس 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس
كثيراً ما سمعت من الناس في غزة جملة يصعب تصديقها: "لقد نجا من مات".قد تبدو العبارة متناقضة، لكنها ربما من أكثر العبارات قدرة على اختصار تجربة من بقوا أحياء في وجه الإبادة. فالبقاء على قيد الحياه في غزه الآن يعني أن الإنسان ظل أسير الكارثة المستمرة. بل تعني أن تستيقظ في اليوم التالي، بينما هناك أشخاص أحببتهم لم يستيقظوا، وأن تحاول أن تعيش في مكانٍ لم يعد يشبه المكان الذي ألفته ونشأت فيه وأن تستمر في مقاومة الجوع والمرض والنزوح وصور الأحبة تطاردك كما موتهم.كثيراً ما يتم سؤالي عن «ذنب الناجي» لدى من بقوا على قيد الحياة أثناء الإبادة في غزة. لكنني لا أعتقد أن هذا المفهوم، رغم أهميته في سياقات أخرى، يكفي لفهم هذه التجربة. إذ أنّ ذنب الناجي يفترض سؤالاً من نوع: لماذا نجوت أنا بينما مات الآخرون؟ وقد يرتبط بشعور بالتقصير أو بالمسؤولية، وبفكرة أن الإنسان ربما كان يستطيع أن يفعل شيئاً لمنع ما حدث.لكن ما يعيشه الناس في غزة أثقل من ذلك. إنه عبء البقاء؛ حيث يجد الناجي نفسه مضطراً إلى مواصلة الحياة بعد كل الخسائر، يمضي يحمل في داخله من فقدهم، والأماكن التي دُمّرت، والأصوات التي سمعها، والوجوه التي لن يراها مرة أخرى. يحمل أيضاً سؤالاً لا توجد له إجابة سهلة: كيف أعيش بعد كل ما رأيت؟كيف أستمر في تناول الطعام بينما أعرف أن من أحب مات جوعاً.كيف أضحك للحظة ثم أتذكر من لن يضحك معي مرة أخرى.كيف أفكر في الغد بينما لا يزال الموت حاضراً،وكيف أمضي في حياتي من جديد، ثم أشعر بشيء يشبه الخيانة لأن من أحببتهم لم تُتح لهم فرصة أن يكملوا حياتهم!وهذه ربما إحدى أصعب المهام النفسية أمام الناجي: أن يجد طريقة ليعيش مع من فقدهم، لا هرباً من ذكراهم، أن تبقى العلاقة بهم ممكنة من خلال الذاكرة، والحب، ورواية قصصهم، لا من خلال تحويل الحياة كلها إلى حداد.الناجي في غزة لم يغادر الكارثة في بعض الكوارث، يأتي وقت يصبح فيه الحدث ماضياً. يمكن للناجي عندها أن لا يلتفت إلى الوراء، وأن يبدأ، ولو ببطء، في إعادة بناء حياته من جديد. أما في غزة، فالحد الفاصل بين «أثناء الكارثة» و«ما بعدها» غير موجود. إن الحصار والقتل والفقد والنزوح والجوع والخوف ما زال مستمرا، ولذلك لا يستطيع الإنسان أن يضع تجربته خلفه ببساطة ويقول: انتهت الكارثة، لقد حان الوقت للبدء مجددا.في ظل هذه الظروف، لا يجد الحزن الوقت والمساحة الكافيين حتى يتبدد. ولهذا فإن مطالبة الإنسان في غزة بأن «يتجاوز» ما حدث أو أن يتعافى منه كما لو كان حدثاً ماضياً، قد تكون في حد ذاتها شكلاً من عدم فهم تجربته. ثم إن ما يحدث أصاب كل الناس؛ العائلات والأحياء والمجتمع كله، وانهيار الحياة طال المدرسة والبيت والمستشفى والحي ومصادر الأمان والعلاقات الاجتماعية. لذلك لا يمكن اختزال الأمر في بعض الأفراد الذين يعانون من الخسارة والألم، إنها تجربة جماعية واسعة تهدد البقاء الجمعي للغزيين.ومن هنا، فإن الاستجابة النفسية لا ينبغي أن تقتصر على تشخيص ما خسره أو عانى منه هذا الشخص. ربما علينا أن نسأل ما العبء الذي يحمله الآن؟ ومن يحمل عبء البقاء معه ؟تقاسم عبء البقاءإنّ العبء الذي تحمله غزة لا ينبغي أن يقع على أهلها وحدهم. إن التضامن من خارج غزة يتجاوز كونه موقفًا أخلاقيًا أو سياسيًا، ليصبح، حين يكون حقيقيًا وفعّالًا، شكلًا من أشكال الشفاء وتقاسم عبء البقاء؛ يكون ذلك بأن نستخدم مواقعنا وإمكاناتنا وأصواتنا لسد احتياجاتهم وللدفاع عن حقهم في الحياة والكرامة، وأن نعمل من أجل وقف ما يتعرضون له من تهديد، وأن لا نكتفي بمساعدتهم على التكيف مع واقعهم الأليم.كما علينا أن نفهم أيضاً أن التضامن لا يعني أن نتحدث نيابة عن أهل غزة، بل أن نساعد على أن تُسمع أصواتهم، وأن نبقى حاضرين معهم عندما يدير العالم ظهره عنهم.إن تقاسم عبء البقاء لا يعني أن نعيش مكانهم، فهذا مستحيل. بل يعني ألا نتركهم يحملونه وحدهم. فالحزن تخف وطأته عندما يجد من يشهد عليه. والذاكرة تصبح أكثر صونا عندما تجد من يحفظها. والإنسان الذي نزعت عنه الإنسانية، يحتاج إلى أن نلتفت إلى إنسانيته الجريحة. وهذا لا يلغي الألم، ولا يعيد الشهداء، ولا يجعل الحياة في غزة طبيعية. لكنه يجعل البقاء أقل عبئا ووحشة.ربما يكون أصعب ما في النجاة أن يتعلم الإنسان أن يسمح لنفسه بالحياة الاعتيادية دون أن يشعر أنه يتخلى عن الذين رحلوا؛ أن يقوم بأي من الأشياء التي تبدو في لحظة ما بعيدة عن واقع الموت المحيط به، لكن قد تكون إحدى طرق الوفاء للذين أحببناهم هي أن تبقى الحياة ممكنة. أن نحمل أسماءهم وقصصهم معنا، لا أن نحمل موتهم داخلنا إلى الأبد.وفي هذا المعنى، قد لا تكون النجاة مجرد الإفلات من الموت. قد تصبح أيضاً محاولة لحماية ما بقي من الإنسان: القدرة على الحب، وعلى التضامن، والحفاظ على الأمل، والمقدرة على بناء معنى وحلما وسط الخراب.ففي غزة، البقاء هو أن تحمل الحياة والغياب معاً. وعلينا أن نشاطرهم تحمل العبء، فما يستطيع أهل غزة أن يحملوه عن العالم، وما يستطيع العالم أن يحمله مع غزة، هو الحفاظ على كرامة الإنسان وذاكرته في وجه الإبادة التي انتزعت منه الحياة.
لؤي صوالحة – كاتب وصحفي فلسطيني
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)