لطالما كرهتُ الطوابير. لا أعرف إن كانت لديّ مشكلة نفسية معها، أم أنني اكتشفت منذ طفولتي أن الانتظار نوعٌ آخر من العقاب.
في مخيم دير البلح للاجئين، كنت أكره طابور مركز التغذية الذي أنشأته وكالة الغوث للفقراء والضعفاء الذين لا يملكون ثمن الطعام. كنت أيضاً أكره طابور المدرسة أكثر، ذلك الصف الطويل من الأطفال الذين يتقدمون خطوة، ثم يتوقفون، ثم خطوة أخرى، حتى يأتي دورهم. يومها اكتشفت أنني لا أحب الانتظار، ولا أملك الصبر الكافي لأقف ساكناً بينما يمر الوقت من أمامي.
كبرتُ، وكبر معي كرهي للطوابير. كرهت طابور البنك، وطابور الكاشير في المحال التجارية، وكل مكانٍ يُطلب فيه أن أقف خلف الآخرين وأنتظر دوري.
ثم جاء طابور معبر رفح ، فصار للطابور معنى آخر. ساعات طويلة أقف فيها أنتظر الوصول إلى موظف يفحص جواز سفري، ويتفحص وجهي وعيني وشكلي، ثم أنتظر مرة أخرى كي أستعيد جوازي وأهرب من ذلك الضيق، كأنني أهرب من الطابور نفسه. كرهت طوابير المطارات، وذلك الموظف الذي يسأل: إلى أين؟ ولماذا؟ ويفتش في أوراق السفر وكأن المسافر متهم حتى تثبت براءته.
حتى مطارات أوروبا لم تنجُ من كرهي. هناك أيضاً طوابير، يسمونها نظاماً، وأولوية، وتنظيماً. لكنهم يعرفون كيف يجمّلون الانتظار. إذا طال الطابور، جاءت عاملة شقراء تجر عربة صغيرة، توزع الماء والشوكولاتة والعصير، وتقول بابتسامة: "نحن آسفون على الانتظار". كنت أضحك وأقول: إنها ملهاة الغرب، يضعون قليلاً من السكر على مرارة الطابور.
لكن الحرب على غزة غيّرت كل شيء.
💬 التعليقات (0)