ثمة وجهٌ آخر للحرب لا تسجله عدسات الكاميرات، يُعاش يوميًا في الطرقات وعلى أعتاب الأحياء المدمرة.. في غزة، لا تحتاج لكي تتذكر الحرب إلى صوت انفجار جديد؛ فالمشهد الممتد على جانبي الطريق كفيلٌ بإبقاء الفاجعة حية.
بين خيام النزوح والأحياء التي غابت ملامحها، يجد الأهالي أنفسهم يوميًا أمام واقع يلاحقهم في أدق تفاصيل حياتهم؛ حيث يمتد الدمار من حجارة الشوارع ليطال الذاكرة والنفس، تحكمه مشاعر الخوف وذكريات منازل كانت يومًا تعجّ بالحياة.
لا تتشكل هذه الحالة النفسية المجهدة من فراغ؛ بل هي انعكاس رقمي وميداني لواقعٍ سُوّيت فيه أحياءٌ كاملة بالأرض، فوقفًا للتقارير الميدانية والإحصاءات الرسمية، فإن نسبة الدمار في قطاع غزة تجاوزت 70% إلى 80% من المباني والمنشآت السكنية والبنية التحتية، ما تحول إلى ما يُعرف بـ "إبادة المكان"، حيث لم تُهدم الحجارة فحسب، بل مُحيت المعالم التاريخية والاجتماعية التي تُشكّل الهوية اليومية والذاكرة الجمعية للسكان. إقرأ أيضاً سياسة "إعدام الحياة".. الاحتلال يوسع الدمار ويؤخر إعمار غزة
رحلة في ذاكرة المكان.. "لا مهرب"
ويضطر آلاف المواطنين الخروج يوميًا لقضاء احتياجاتهم، دون أن يغادروا واقع الحرب؛ فالطريق أصبح مساحة مفتوحة للذاكرة المحمّلة بصور الأحياء المفقودة؛ ورغم أن العين قد تبدو وكأنها اعتادت الركام، إلا أن النفس لا تتعامل بالطريقة ذاتها.
تجسد الشابة ملك الأخرس هذا الواقع؛ إذ لا تحتاج إلى البحث عن مشهد يذكّرها بالحرب، فما إن تغادر خيمتها على شاطئ مواصي خانيونس جنوب القطاع متجهة إلى عملها في حي الأمل، حتى تبدأ رحلتها بين أنقاض بيتها وحارتها التي نشأت فيها.
💬 التعليقات (0)