واشنطن – سعيد عريقات – 12/8/2026
في كتابهما الجديد "لوبي إسرائيل: أميركا في قبضة قوة أجنبية" يقدّم الصحفي الاستقصائي إيلي كليفتون وأستاذ العلوم السياسية إيان لوستيك ، قراءة صادمة، وإن لم تكن غير متوقعة، لمسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، محاولين الإجابة عن سؤال ظل لعقود من المحظورات السياسية في واشنطن: كيف تحولت إسرائيل، وهي دولة صغيرة في الشرق الأوسط، إلى قوة تمتلك نفوذاً استثنائياً على السياسة الخارجية الأميركية، بحيث بات من الصعب على رؤساء أميركيين متعاقبين ممارسة ضغوط حقيقية عليها عندما تتعارض سياساتها مع المصالح التي تعلن واشنطن أنها تتبناها؟
الكتاب، الصادر عن "أتريا/وان سيغنال"، في 304 صفحات، لا يكتفي بمناقشة النفوذ السياسي المؤيد لإسرائيل، بل يحاول تتبع آلياته وتطوره التاريخي، من جماعات الضغط ولجان العمل السياسي إلى المانحين الأثرياء ومراكز الأبحاث والمؤسسات الخيرية وشبكات النفوذ داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. ويركز المؤلفان بصورة خاصة على كيفية استخدام المال السياسي، والضغط الانتخابي، والخوف من الاتهام بمعاداة السامية، لتضييق هامش المناورة أمام السياسيين الذين يحاولون تبني مواقف أكثر استقلالاً عن الحكومة الإسرائيلية.
ومن هنا تأتي أهمية الكتاب: فهو لا يتعامل مع "لوبي إسرائيل" ككتلة واحدة متجانسة، ولا يساوي بين إسرائيل واليهود الأميركيين، بل يتحدث عن شبكة واسعة من التنظيمات والأفراد والمؤسسات التي تعمل على دفع السياسة الأميركية في اتجاه يخدم، بدرجات مختلفة، أولويات إسرائيل وحكوماتها. وهذه التفرقة ضرورية، ليس فقط من الناحية السياسية، وإنما أيضاً من الناحية الأخلاقية، لأن نقد النفوذ السياسي مشروع في الديمقراطية، بينما تحويله إلى اتهام جماعي على أساس ديني أو عرقي ليس كذلك.
ويعود كليفتون ولوستيك، وهما يهوديان أميركيان، إلى لحظة تأسيس إسرائيل عام 1948، ويضعان قرار الرئيس هاري ترومان الاعتراف بالدولة الجديدة في قلب حجتهما التاريخية. فترومان كان، وفق رواية الكتاب، واقعاً بين مستشاريه في السياسة الخارجية والأمن القومي، الذين حذروه من التداعيات الاستراتيجية لقيام دولة يهودية في فلسطين، وبين الضغوط السياسية الداخلية المؤيدة للصهيونية. ويرى المؤلفان أن هذا التوتر المبكر أسس لنمط ظل يتكرر لاحقاً: رئيس أميركي يعتقد أن لديه مصلحة في ممارسة الضغط، فيواجه كلفة سياسية داخلية تجعله يتراجع.
وتصبح هذه الفكرة أكثر وضوحاً في عهد جيرالد فورد. فعندما حاول فورد ووزير خارجيته هنري كيسنجر عام 1975 إعادة تقييم السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، اصطدما بحملة ضغط واسعة قادتها منظمات مؤيدة لإسرائيل. وتروي المادة المستقاة من الكتاب كيف تلقى فورد رسالة موقعة من 76 عضواً في مجلس الشيوخ، في تحرك عكس حجم القدرة على تحويل السياسة الخارجية إلى قضية انتخابية داخلية. وانتهى الأمر بتراجع الإدارة عن بعض طموحاتها في الضغط على إسرائيل.
💬 التعليقات (0)