بعد سنوات طويلة من تعطيل الحياة التشريعية وغياب واحدة من أهم مؤسسات الرقابة والمساءلة والتمثيل الشعبي، لا يمكن النظر إلى أي انتخابات تشريعية فلسطينية مقبلة باعتبارها مجرد استحقاق انتخابي مؤجل، أو موسم جديد تتزاحم فيه الأسماء والقوائم والجغرافيا.
فالفجوة الزمنية الطويلة، وما تراكم خلالها من أزمات وتحولات وانقسامات، تجعل من الانتخابات (إن جرت) اختباراً يتجاوز مسألة اختيار نواب جدد إلى سؤال أكثر جوهرية وهو هل نريد استعادة مؤسسة تشريعية حقيقية، أم إعادة إنتاج المشهد بذات العقليات والوجوه؟
خلال سنوات الغياب الطويلة، لم يتوقف الزمن الفلسطيني عند حدود تعطيل مؤسسة التشريع بكل ما لها من أدوار، فلقد مررنا بتحولات قاسية، وتراجعت الثقة بالمؤسسات، واتسعت المسافة بين المواطن ومراكز القرار، وتراكمت الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وصولاً إلى كوارث وطنية خسرنا فيها الإنسان والأرض، ووقفنا تائهين على أبواب مستقبل شديد الضبابية، مثقلين بأسئلة المصير والقدرة على البقاء وإعادة البناء.
وفي خضم كل ذلك، غاب الصوت التشريعي المنتخب الذي يفترض أن يسأل ويراقب ويحاسب، وأن ينقل أسئلة الناس ومخاوفهم ومصالحهم إلى قلب المؤسسة السياسية.
من هنا، فإن استعادة المجلس التشريعي يجب ألا تختزل في استعادة المقاعد أو إعادة تشغيل مؤسسة غيبت طويلاً، بل في استعادة الدور والرسالة، دور المؤسسة المنتخبة في التشريع والرقابة والمساءلة، ورسالتها في حماية المصلحة العامة، وتمثيل صوت الناس، وإعادة شيء من التوازن إلى النظام السياسي.
فالمجلس التشريعي، في جوهره، ليس تجمعاً للوجاهات السياسية والاجتماعية، ولا محطة للمحاصصة الوظيفية، ولا مكافأة نهاية خدمة، ولا ساحة جديدة لتقاسم النفوذ. إنه مؤسسة للتشريع والرقابة والمساءلة حيث تناقش الموازنات والسياسات العامة، وتراقب أداء السلطة التنفيذية، وتحمي المال العام، والاهم انها من المفترض ان تعيد للمواطن موقعه الطبيعي في معادلة الحكم باعتباره مصدر الشرعية وصاحب الحق في السؤال والمحاسبة.
💬 التعليقات (0)