قد تُشل دولة كاملة دون أن تُطلق عليها رصاصة واحدة. فحين تتعطل المدفوعات، وتُحتجز الإيرادات، وتُقيد حركة النقد، وتختل سلاسل الإمداد، يصبح الاقتصاد نفسه ساحةً للصراع. وهذا بالضبط ما عاشته فلسطين خلال العام الأخير. لذلك، آن الأوان لإعلان الأمن الاقتصادي الوطني أولوية سيادية.
على امتداد العقود الماضية، انصبّ اهتمامنا الوطني على الأمن السياسي والأمني باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين لحماية المجتمع والدولة، وهذا أمر طبيعي في ظل الظروف التي عاشتها فلسطين. إلا أن المتغيرات المتسارعة خلال السنوات الأخيرة، وما شهدناه من أزمات مالية ومصرفية وتجارية متلاحقة، كشفت حقيقة لم يعد بالإمكان تجاهلها: لا يمكن الحديث عن أمن وطني حقيقي دون أمن اقتصادي وطني.
وهذا الشلل قد يتخذ أشكالًا متعددة: تعطل تحويل أموال المقاصة، أو اضطراب العلاقات المصرفية، أو تقييد حركة النقد، أو انقطاع سلاسل الإمداد، أو نقص الوقود والطاقة، جميعها أحداث كفيلة بإرباك الاقتصاد، وتعطيل عمل المؤسسات، وإضعاف قدرة الحكومة والقطاع الخاص على الوفاء بالتزاماتهما. وهذه ليست افتراضات نظرية، بل وقائع عشناها تباعًا خلال العام الماضي وحده: وقف تحويل أموال المقاصة، التي تشكل نحو ثلثي الإيرادات العامة، منذ مايو/أيار 2025؛ تكدس أكثر من 17 مليار شيكل داخل خزائن المصارف نتيجة قيود شحن الفائض؛ إخطار بنكين إسرائيليين للبنوك الفلسطينية بوقف خدمات المراسلة المصرفية اعتبارًا من سبتمبر وأكتوبر المقبلين، في خطوة تهدد عمليات سنوية يقارب حجمها 51 مليار شيكل؛ وأزمة نقص متكررة بالمحروقات تعطل الحياة اليومية لكل مواطن. أربع أزمات مختلفة في الشكل، لكنها تتقاطع عند نقطة واحدة: هشاشة مفاصل حيوية في منظومة الأمن الاقتصادي الفلسطيني. هذه ليست أزمات منفصلة، بل اختبارات متتابعة لمدى متانة الاقتصاد الفلسطيني.
إن ما نواجهه اليوم ليس أزمات مالية متفرقة، بل سلسلة من المخاطر المترابطة التي تستوجب الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة إدارة المخاطر، وهذا يتطلب تغييرًا في طريقة التفكير قبل تغيير الأدوات.
في معظم دول العالم، لم يعد الأمن الاقتصادي مفهومًا نظريًا. فاليابان أقرت عام 2022 "قانون تعزيز الأمن الاقتصادي"، وأنشأت منصبًا وزاريًا مخصصًا لهذا الملف، ودمجت المفهوم ضمن استراتيجيتها للأمن القومي، بهدف حماية سلاسل التوريد الحيوية والبنية التحتية الحساسة من أي استخدام اقتصادي كأداة ضغط سياسي. والاتحاد الأوروبي سار على نهج مشابه باستراتيجيته الخاصة للأمن الاقتصادي، فيما تتعامل الولايات المتحدة والصين مع أمن سلاسل الإمداد والطاقة والغذاء والتكنولوجيا باعتبارها مكونات أساسية للأمن القومي. والقاسم المشترك بين هذه التجارب ليس تشابه ظروفها مع فلسطين، بل إدراكها أن الاعتماد المفرط على نقاط اختناق استراتيجية يخلق هشاشة تستدعي سياسات استباقية.
أما في الحالة الفلسطينية، فإن حاجتنا إلى هذا المفهوم تبدو أكثر إلحاحًا. فنحن نعمل في بيئة اقتصادية شديدة التعقيد، تتداخل فيها العوامل السياسية والمالية والتجارية والنقدية، وأي اضطراب في أحد هذه الملفات ينعكس سريعًا على بقية مكونات الاقتصاد، من رواتب الموظفين، إلى عمل المصارف، مرورًا بالقطاع الخاص، والاستثمار، والتجارة، وفرص العمل. لذلك، فإنني أطالب بإعلان الأمن الاقتصادي الوطني أولوية سيادية، وإدراجه ضمن منظومة التخطيط الوطني، باعتباره ركيزة لا تقل أهمية عن الأمن السياسي أو الأمن المجتمعي.
💬 التعليقات (0)