تصريح المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي الذي حذر سكان غزة من أن بعض الأوراق النقدية قد تفقد قيمتها يستحق التوقف، ليس لأن الناس بحاجة إلى مزيد من الخوف على أموالهم وإنما لأن السؤال الأهم هنا هو: من يملك أصلا قرار إلغاء العملة؟
هذه نقطة لا ينبغي تجاوزها، العملة ليست منشورا عسكريا ولا تصريحا إعلاميا، صلاحيتها وإلغاؤها واستبدالها مسألة نقدية وقانونية يفترض أن تصدر عن الجهة صاحبة الاختصاص، أي بنك إسرائيل، وبقرار رسمي واضح يحدد الأوراق المعنية والمهلة القانونية لاستبدالها. وما دام هذا القرار لم يصدر فإن الحديث عن أن الأموال ستصبح بلا قيمة يبقى تحذيرا للمستقبل وليس إلغاءً فعليا للعملة.
لكن المشكلة أن مثل هذا التصريح لا يمر اقتصاديا من دون أثر، عندما يسمع المواطن أن ما في جيبه قد يصبح بلا قيمة، تبدأ الثقة بالاهتزاز ويبدأ بعض التجار برفض الأوراق أو قبولها بأقل من قيمتها. وهنا يتحول التصريح نفسه إلى أداة ضغط على السوق حتى دون صدور أي قرار رسمي.
والأكثر خطورة أن هذا الضغط يأتي في بيئة تعتمد فيها غزة بدرجة كبيرة على الكاش، رواتب موظفي غزة والمعاملات اليومية لا يمكن ببساطة نقلها كلها إلى النظام المصرفي، خصوصا في ظل القيود التي تجعل الحركة المصرفية أكثر تعقيدا.
وبالتالي فإن دفع الناس إلى التخلص من النقد من دون توفير بديل آمن وفعال يعني تعميق أزمة السيولة وتعقيد الحياة الاقتصادية اليومية.
ومن الصعب أيضا النظر إلى هذه الخطوة بمعزل عن المسار الأوسع للخطة الإسرائيلية الرامية لإعدام الكاش والدفع الإلكتروني. فالنقد الذي يحمله الإنسان في يده يمنحه هامشا من الاستقلال عن النظام المصرفي بينما الأموال الموجودة داخل الحسابات تصبح أكثر ارتباطا بالمنظومة المصرفية وبقدرتها على الوصول إلى الحسابات وتقييدها أو تجميدها وفق القرارات والأنظمة المعمول بها.
💬 التعليقات (0)