في فلسطين، لا تعمل السوق في ظروف طبيعية. فالاحتلال والحصار والقيود على الحركة والاستيراد، وصعوبة الوصول إلى الأسواق، وضعف الإنتاج المحلي وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل تجعل الاقتصاد الفلسطيني مختلفًا عن اقتصاد مفتوح تحكمه المنافسة وتعدد البدائل. لذلك لا يمكن فهم أرباح القطاع الخاص وقوته السوقية بمعزل عن هذا الواقع؛ فالظروف الاستثنائية قد تنتج في بعض القطاعات هوامش ربح وقوة سوقية أكبر مما هو متاح في أسواق أخرى.
فالندرة ليست فقط مشكلة يتحملها المواطن، وإنما قد تتحول أيضًا إلى مصدر للقوة الاقتصادية. عندما تقل البدائل ويصبح الاستيراد مقيدًا ومكلفًا، يصبح من يملك القدرة على توفير السلعة في موقع أقوى، وقد يستطيع تحقيق هامش ربح أكبر. وهذا لا يعني أن كل ارتفاع في الأسعار استغلال، ولا أن كل ربح مرتفع غير مشروع؛ فالقطاع الخاص يتحمل مخاطر وتكاليف حقيقية في بيئة شديدة التعقيد. لكنه يعني أن جزءًا من القوة السوقية قد يكون ناتجًا عن الندرة التي فرضها الواقع الفلسطيني، لا عن الكفاءة والمنافسة وحدهما. إنها قوة سوقية ذات أثر احتكاري، حتى إن لم تكن احتكارًا بالمعنى القانوني.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا كان المواطن يتحمل كلفة الحصار والندرة وارتفاع الأسعار، فهل يكفي أن يؤدي القطاع الخاص دوره التجاري المعتاد؟ الربح حق، والاستثمار ضرورة، ولا يمكن بناء اقتصاد من دون رأس مال خاص، لكن في ظرف استثنائي ينبغي أن تقابل القوة الاقتصادية بمسؤولية أكبر. فإذا أنتجت الندرة أرباحًا استثنائية، فلماذا لا يتحول جزء منها إلى استثمار في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والإنتاج المحلي وخلق فرص العمل وصناعة البدائل؟ المطلوب ليس تحويل القطاع الخاص إلى مؤسسة خيرية، بل جعل الربح جزءًا من بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود وأقل اعتمادًا على الخارج.
فالوطنية الاقتصادية لا تظهر في الشعارات والبيانات والتبرعات وحدها، وإنما في القرارات: هل يختار رأس المال النشاط الأسرع ربحًا، أم يستثمر في مشروع إنتاجي يحتاج إلى وقت ومخاطرة؟ هل يعيد استثمار جزء من أرباحه في الاقتصاد الذي صنعها؟ هل يرى العامل شريكًا في الإنتاج أم مجرد تكلفة، والمواطن مواطنًا يعيش ظرفًا استثنائيًا أم مجرد مستهلك لا يملك بديلًا؟ هنا يظهر الفرق بين رأس مال يستفيد من السوق ورأس مال يشارك في بنائها.
ولا يجوز أن نتحدث عن رأس المال الفلسطيني فقط من زاوية الشركات والتجار والمستثمرين، لأن جزءًا أساسيًا منه موجود في المصارف. فالبنوك إحدى ركائز الاقتصاد الحديث؛ تستقبل مدخرات المواطنين والشركات، وتحفظها، ثم تحول جزءًا منها إلى ائتمان وتمويل يحرك النشاط الاقتصادي. وما تديره المصارف ليس مالًا منفصلًا عن المجتمع؛ فهو في جانب أساسي منه مدخرات الموظفين والعمال والتجار والأسر والشركات، أودعت على أساس الثقة بأنها ستدار وتحفظ وفق قواعد مهنية وقانونية.
ومن هنا تصبح هذه الكتلة المالية مقدرة اقتصادية وطنية استراتيجية، لا بمعنى أنها ملك للحكومة أو أن من حقها التدخل في قرارات البنوك، وإنما لأن أثرها يتجاوز العلاقة بين المودع والمصرف. وكلما كبرت المدخرات المتراكمة داخل النظام المصرفي، ازدادت قدرة الجهاز المصرفي على التأثير في اتجاه الاقتصاد من خلال الائتمان والتمويل.
💬 التعليقات (0)