نحن الآن في بريطانيا القرن التاسع عشر، حيث كان كل شيء يبدأ من الفحم؛ المصانع التي لا تهدأ، والقطارات التي تشق الريف، وأفران الحديد التي تبقي المدن الصناعية مستيقظة بعد غروب الشمس. وكان المهندسون يتسابقون على تحسين محركات البخار، حتى تضاعفت كفاءة المحرك 10 مرات في أقل من قرن. وبدا الاستنتاج بديهيا، فالوصول إلى محركات أكفأ يعني بالتبعية استهلاكا أقل للفحم، ومخزونا وطنيا يطول عمره. لكن بريطانيا لم تحرق فحما أقل، بل حرقت أضعافا مضاعفة.
انتبه إلى هذه المفارقة الاقتصادي الإنجليزي ويليام ستانلي جيفونز، ونشر عام 1865 كتابا بعنوان "مسألة الفحم"، أراد به أن ينذر بلاده بأن مناجمها تقترب من النفاد، وشرح فيه أن ترشيد استهلاك الوقود لا يقلله، بل يزيده. والآلية يفهمها كل من اشترى سلعة حين رخُص ثمنها، وقد ضرب جيفونز مثالا بالحديد، فقد خفضت المصانع الفحم اللازم لصهر الطن الواحد إلى أقل من ثلثه، فرخُص الحديد، فاتسع الطلب عليه، حتى تضاعف استهلاك اسكتلندا من الفحم 10 مرات. الكفاءة لم توفر الفحم، بل فتحت له أبواب استهلاك لم تكن مفتوحة من قبل.
دعنا الآن نعود إلى الوقت الحاضر. فبعد مرور أكثر من 160 عاما على كتاب جيفونز، سيقدم رواد الذكاء الاصطناعي تلك الملاحظة السابقة إلى ملايين البشر في محاولة لطمأنتهم على أرزاقهم التي يخشون عليها من توغل تلك الأدوات الذكية في مجالات عملهم. ولكي نفهم لماذا احتاجوا إلى ذكرها، علينا أن نعود عاما واحدا فقط إلى الوراء.
في مايو/أيار 2025، قال داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي "كلود"، لموقع "أكسيوس" إن الذكاء الاصطناعي قد يمحو نصف الوظائف المكتبية المخصصة للمبتدئين خلال عام إلى 5 أعوام، وإن البطالة في الولايات المتحدة قد تقفز إلى ما بين 10 و20%. وأضاف أن على صناع هذه التقنية واجبا أن يكونوا صادقين في وصف ما هو آت، ونشر الموقع ذلك التقرير تحت عنوان "مذبحة الياقات البيضاء"، فانتشر التحذير حول العالم في غضون أيام. بالطبع، هذا كان رأي أحد أهم رواد المجال، وهو ما يمكن اعتباره عينة ممثلة للبقية أمثال سام ألتمان وإيلون ماسك وغيرهم.
ولم يكن المستمعون جمهورا مجردا، إذ كانوا طلابا يختارون تخصصا، وخريجين يقررون إن كانوا سيتقدمون إلى وظيفة في المحاسبة أو البرمجة، وشبابا يعيدون حساب سنواتهم المقبلة. وربما اتخذ كثيرون منهم قرارات يصعب الرجوع عنها، لأن رجلا يشارك في تطوير هذه التقنية بنفسه قال لهم إن الباب يوشك أن يغلق أمامهم.
ثم بعد مرور عام -تحمل تنقلنا في الزمن قليلا من فضلك- تحديدا في 5 مايو/أيار الماضي، جلس الرجل نفسه على مسرح قاعة في مانهاتن السفلى، إلى جوار جيمي ديمون رئيس مصرف "جيه بي مورغان تشيس"، أكبر مصارف العالم، ليقول كلاما مختلفا تماما. قال إنك إذا نجحت في أتمتة 90% من وظيفة ما، سيؤدي الجميع الـ 10% الباقية، ثم تتسع هذه النسبة حتى تصير هي الوظيفة كلها، فتتضاعف إنتاجية العامل 10 مرات، وأسند كلامه هذه المرة إلى مفارقة جيفونز التي تحدثنا عنها.
💬 التعليقات (0)