تستعرض حلقة (2026/8) من برنامج "غاليريتا" -الذي يُبث على منصة (AJ+) وهذا رابطها– جذور الحزن في الغناء العراقي، لافتة إلى أن هذه الظاهرة ليست وليدة العصر الحديث، بل تمتد إلى "ملحمة جلجامش" قبل 5 آلاف عام، حيث كان السومريون يقيمون مجالس عزاء سنوية على "الإله تموز"، ويستأجرون النائحات، في أقدم تجسيد للبكاء الجماعي المنظم في تاريخ البشرية.
ولا يُعد الحزن في الغناء العراقي مجرد اختيار فني -كما توضح تقارير- بل هو تراكم تاريخي وجغرافي وسياسي، حيث تؤثر البيئة القاسية في جنوب العراق مع فيضاناتها وأوبئتها وعزلتها في تشكيل وعي جمعي يعرف أن الموت قريب دائما، متجسدا في صوت الهواء عبر ثقوب القصب الذي يشبه الناي الباكي.
وتلفت الحلقة إلى دور المقامات الموسيقية في تعزيز الشجن، حيث اختار الفنانون العراقيون المقامات الأكثر حزنا مثل الصبا والحجاز والكرد والنهاوند، معتبرة أن الغناء العراقي لا يكتفي بمقام الصبا الحزين، بل يستخرج منه قالبا يُسمى "المحمداوي" وهو الأقرب إلى النواح، على عكس ما هو شائع في الغناء العربي حيث يمكن تخفيف حدة هذه المقامات.
كما تسهم "التهويدات الشعبية" في تشكيل الذهنية الحزينة للشعب العراقي، وتستشهد الحلقة بتهويدة "دليلول" التي تغنيها الأم لطفلها (عدوك عليل وساكن الـ"تشول") أي الصحراء، حيث ينام الطفل على وقع هذه الكلمات التي تعلمه الحذر من العدو قبل أن يتعلم المشي، فيتطور الحذر إلى حزن، والحزن إلى أغنية، كما علق المطرب حسن بريسم ساخرا.
ثم تنتقل الحلقة إلى مقام "المدمي" الذي يكشف عن أصل ديني للغناء العراقي، حيث وُلد من حلقات الذكر وتلاوة القرآن والمناقب النبوية، ولم يكن الغناء ترفيها بل طقسا روحيا، حتى إن المغني كان يُسمى "قارئ مقام" وليس مطربا، وكان يُؤدى جماعيا عند تطبيب المرضى، وكأن الألم شرط للغناء.
وتلفت الحلقة إلى مفارقة الإذاعة العراقية عام 1936 حيث كانت فرصة لتغيير مزاج الغناء، لكنها رسخت الحزن أكثر مع سيطرة ألحان الأخوين صالح وداود الكويتي الشجية، وأصوات نجوم الإذاعة الحزينة مثل سليمة مراد والقبانجي، حتى عناوين الأغاني كانت شكوى ووجعا "وين أهلنا؟" و"قلبك صخر جلمود" و"هذا مو إنصاف منك".
💬 التعليقات (0)