ثمة فرق شاسع بين أن يتدرّب الإنسان على الخطابة، وبين أن يُدرَّب على أن يكون قائدًا. فالخطابة مهارة، والإدارة خبرة، والعلاقات العامة صناعة صورة؛ أما قيادة شعبٍ كالشعب الفلسطيني فليست دورة مكثفة، ولا حقيبة تدريبية، ولا مشروعًا يمكن تسليمه إلى شركة استشارات، ثم انتظار أن يخرج من الباب الآخر «زعيمًا» كامل المواصفات.
ولهذا تبدو الأنباء التي نقلتها مصادر مطلعة، بشأن تكليف شركة بريطانية متخصصة بالاستشارات والعلاقات العامة لتدريب ياسر عباس وإحاطته بخبراء ومدربين في رام الله وبيروت، أكبر من مجرد خبر عن «تطوير مهارات» شخصية. هذه المعلومات، تضعنا أمام سؤال سياسي ثقيل: هل يجري تأهيل ياسر عباس ليكون سياسيًا، أم يجري إعداد صورة سياسية له تمهيدًا لدور أكبر؟
في مايو/أيار 2026، فاز ياسر عباس بعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح، وهي أعلى هيئة لصنع القرار في الحركة، بعد سنوات طويلة عُرف خلالها أساسًا بصفته رجل أعمال، لا قائدًا تنظيميًا أو صاحب تجربة سياسية جماهيرية. وكالة رويترز أشارت قبل المؤتمر إلى أنه لم يكن قد شغل سابقًا منصبًا رسميًا في فتح أو السلطة الفلسطينية، وأن انتقاله المفاجئ إلى العمل السياسي غذّى تكهنات داخل الساحة الفلسطينية بشأن احتمال سعي والده إلى منحه موقعًا في ترتيبات مرحلة الخلافة. وذكرت رويترز أيضًا أن رئيس السلطة محمود عباس كان قد كلّف نجله خلال العام السابق بملف الشأن اللبناني في منظمة التحرير الفلسطينية، بما في ذلك متابعة قضية تسليم السلاح الفلسطيني في لبنان. أي أن رجل الأعمال الذي لم يكن معروفًا بتاريخ تنظيمي في مؤسسات فتح، وجد نفسه خلال فترة قصيرة أمام ملفات سياسية وتنظيمية من العيار الثقيل.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: من أين جاءت هذه القفزة؟ هل هي حصيلة تجربة سياسية طويلة لم ينتبه إليها الفلسطينيون؟ هل عرف الشارع ياسر عباس في ساحات المواجهة السياسية؟ هل عرفه في الدفاع عن المعتقلين؟ في مواجهة الاستيطان؟ في حمل هموم المخيمات؟ في قيادة عمل جماهيري؟ في صياغة رؤية وطنية؟ أم أن الفلسطينيين اكتشفوا فجأة أن واحدًا من أقرب الناس إلى رئيس السلطة أصبح أيضًا واحدًا من أقرب الناس إلى قمة الهرم السياسي؟
حتى صحيفة «لوموند» الفرنسية تناولت صعود ياسر عباس في مايو/أيار الماضي في سياق الجدل حول مستقبل فتح وترتيبات ما بعد محمود عباس، ووصفت دفعه نحو اللجنة المركزية بأنه منحٌ للابن وزنًا سياسيًا داخل الحركة، في وقت يعيش فيه النظام السياسي الفلسطيني أزمة شرعية وانتخابات عامة غائبة منذ سنوات طويلة.
في السياسة الديمقراطية، يصل ابن الرئيس كما يصل ابن العامل: برنامج، تاريخ، موقف، تجربة، صندوق اقتراع عام، ومساءلة شعبية. أما عندما تتداخل الأبوة بالرئاسة، ويتحول القرب العائلي إلى ممر سريع نحو الملفات الحساسة ومراكز القرار، فإن السؤال عن «التوريث» ليس مؤامرة صحفية، بل يصبح سؤالًا طبيعيًا يفرض نفسه.
💬 التعليقات (0)