يبدو أن ما يجري في الإقليم تجاوز منذ مدة حدود المواجهة العسكرية التقليدية، وانتقل إلى مرحلة أكثر خطورة، وهي مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ من خلال التحكم في شريان الاقتصاد العالمي: الطاقة.
فالضربات التي استهدفت منشآت الطاقة لم تعد تبدو أحداثا متفرقة أو ردود فعل آنية، وإنما أصبحت تحمل رسالة سياسية وإستراتيجية بالغة الوضوح، مفادها أن أمن الطاقة العالمي لم يعد منفصلا عن الصراع مع إيران، وأن أي مواجهة معها ستكون لها كلفة اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة إلى الأسواق الدولية بأكملها.
القراءة التقليدية لهذه التطورات غالبا ما تنشغل بتعداد الصواريخ، أو متابعة الخسائر الميدانية، أو قياس حجم الدمار الذي أصاب هذا الموقع أو ذاك، بينما تغيب القراءة الأعمق التي تنظر إلى الهدف الحقيقي الكامن خلف هذه العمليات.
فالمسألة ليست استهداف منشأة هنا أو ناقلة نفط هناك، وإنما فرض معادلة جديدة على العالم، عنوانها أن إيران تمتلك القدرة على التأثير في حركة الطاقة العالمية، وأن تجاهل مصالحها أو محاولة إخراجها من معادلات الإقليم سيجعل أسواق الطاقة رهينة للتوتر المستمر.
ولهذا السبب لم يعد الحديث مقتصرا على مضيق هرمز وحده، رغم أنه يظل أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فالمعادلة الإيرانية تبدو أوسع من مجرد التهديد بإغلاق المضيق، إذ إن امتداد النفوذ الإيراني عبر شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة يمنح طهران خيارات متعددة تنعكس على الاقتصاد العالمي، سواء انطلقت العمليات من الأراضي الإيرانية مباشرة، أو من مناطق أخرى تمتلك فيها نفوذا عسكريا أو سياسيا. وفي الحسابات الإستراتيجية لا يهم كثيرا المكان الذي ينطلق منه الهجوم؛ بقدر ما يهم الطرف القادر على توظيفه لتحقيق أهدافه.
مضيق هرمز سيبقى مفتوحا، بترتيبات سياسية ودبلوماسية أو من دونها؛ لأن كلفة إغلاقه على إيران نفسها لا تقل عن كلفته على بقية دول العالم، وربما تزيد عليها
💬 التعليقات (0)