يمزجُ الكاتب محمّد خير عيسى رجب (ݒشِڨبْݘ)، في كتابه الجديد "وادِي السِّـير/ السِّـيرة الشـركسـيَّة (1880 - 1980م)" بين السّيرة الذاتيّة والرّواية والتّاريخ الشّفوي، موثّقاً بذلك قرناً كاملاً من حياة الجالية الشّركسيّة في وادي السّير بالأردن (1880 - 1980)، وذلك اعتماداً على مجموعة من المقابلات الشخصيّة من جهة وسجلّات المحاكم الشرعيّة والوثائق النادرة من جهة أخرى.
"وادِي السِّـير/ السِّـيرة الشـركسـيَّة (1880 - 1980م)"، هو عنوان لكتابٍ يعيد كتابة الذاكرة الشركسية من أفواه شهودها.
ويعيد الكتاب الذي جاء في (848) صفحة، وصدر عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن (2026)، رسم حياة الشراكسة الذين استوطنوا بلدة وادي السّير غربي عمّان اعتباراً من عام (1880)، في إثر موجات التّهجير القسري الذي نفّذته حكومة روسيا القيصريّة بحق الشّركس بدءاً من عام 1864. ويأتي هذا الإنجاز ثمرة لخمس سنوات من العمل المتواصل جَمَع جزء كبير من مادته منذ ثمانينيّات القرن الماضي عبر مقابلات شخصيّة مع كبار السّن من رواة البلدة وشهودها.
وهنا، لا يكتفي الكاتب أن يكون مؤلَّفه مجرّد سجل تاريخيّ جاف لحياة بلدتة، بل نرى بوضوح تقاطع صوت المؤرّخ الباحث مع صوت الرّاوي الشّاهد الذي عاش كثيراً ممّا يرويه بنفسه. ففي مواضع عديدة ينتقل المؤلّف من سرد الوقائع العامّة إلى استعادة مشاهد من طفولته وشبابه في البلدة. فهو يروي في فصل الزّواج ومراسمه مثلاً، تفاصيل قيامه بـ"خطف" عروسِه، ما يمنح النّص طابعاً يقترب من السّيرة الذاتيّة والعمل الرّوائي في آن، وذلك دون أن يتخلّى عن صرامة التّوثيق وإحالاته المرجعيّة.
وفي هذا السّياق، وصف الدكتور نارت محمد خير قاخون؛ رئيس قسم اللّغة العربيّة في كلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة بجامعة آل البيت، هذا المزيج في تقديمه للكتاب بالقول إنّ المؤلّف لم يكن "شاهداً وحيداً، ولا عازفاً منفرداً"، بل كان "مجمع شهود، وقائد أوركسترا كاملة من الرّواة والشّهود".
والكتاب الذي يمثّل "قطعة مكثّفة لتاريخ الأردن وتحوّلاته الاجتماعيّة والاقتصاديّة، يتوزّع على تسعة وعشرين فصلاً، يبدأ أوّلها بجذور الشّركس (الأديغة) في شمال القفقاس وحرب الإبادة التي شنّتها روسيا عليهم، ثم ينتقل إلى قصّة تسمية وادي السّير واستقرار الشّركس فيها، مروراً بفصول تتناول أنماط البيوت الطينيّة وطريقة بنائها، والجوامع التّراثيّة، والمزارات والمقابر، والطواحين والمخابز، والأكلات والمشروبات الشّركسيّة، وسجلّات محكمة السّلط الشّرعيّة، وأحداثاً بارزة في تاريخ البلدة، والحركة التّجاريّة ووسائل النّقل، والحركة التّعليميّة، ومراسم الزّواج، وعازفي الأكورديون ورقصات "الفنطزيّات"، والحِرَف اليدويّة، والطّبّ الشّعبي بتفاصيله من الكيّ والحجامة والرّقى إلى القِبالة والخِتانة، ثمّ مناسبات وطقوس رمضان والأعياد والحجّ والمولد النّبوي وعاشوراء، فالزّيّ الشّركسي، والرّياضات والألعاب الشّعبيّة. وينتهى الكتاب بملحق للصوّر يوثّق لوجوه البلدة وأحداثها التي عاشتهاعبر عقود.
💬 التعليقات (0)