منذ بداية الحرب، تكرر ذكر اسم محمد دحلان – أبو فادي – في النقاشات حول بديلٍ لحكم حماس في غزة. وقد برز اسمه هذا الأسبوع بشكلٍ لافتٍ منذ 7 أكتوبر، بعد فترةٍ طويلةٍ حافظ خلالها على حضورٍ إعلاميٍّ محدود. جاءت خلفية تجدد التوترات بعد الإعلان عن اتفاق تنفيذ المرحلة الثانية من تسوية قطاع غزة (خطة النقاط الخمس عشرة التي وُضعت برعاية مجلس السلام)، حيث سعى دحلان إلى ترسيخ صورته كشخصية محورية في العملية.
لقد كان أسبوعاً حافلاً بالأحداث على الصعيدين السياسي والعسكري. في محادثات مع شخصيات بارزة في معسكر دحلان (المعروف باسم “حركة الإصلاح الديمقراطي”)، عُرضت الرواية التالية لأحداث الأسبوع الماضي، حيث زعموا أن نفوذ أبو فادي كان بارزًا: “حدث التحول عندما تمكن دحلان من إقناع قادة حماس بقبول خطة النقاط الخمس عشرة، التي تمحورت حول اتفاق على صيغة عامة إلى حد ما بشأن نزع سلاح الحركة وتشكيل حكومة تكنوقراطية. بعد ذلك، توصل دحلان إلى اتفاق مع جاريد كوشنر قبل نحو أسبوع بشأن إعلان ترامب عن الاتفاق والترويج لوقف إطلاق النار، الذي توقع دحلان تنفيذه يوم الأحد. لكن الأمور ساءت منذ ذلك الحين. استمرت إسرائيل في الهجوم، ولكن بسبب زيارة متسرعة، يبدو أنها كانت تحت ضغط، قام بها نيكولاي ملادينوف، المسؤول عن غزة نيابة عن مجلس السلام، توقفت الهجمات بالتزامن مع إعلان المجلس أنه لن يكون هناك انسحاب إسرائيلي من الخط الأصفر قبل أن تنزع حماس سلاحها بالكامل – الثقيل والخفيف والأنفاق”.
حتى وإن كانت هناك مبالغة في الوصف، فإن معظمها يبدو دقيقاً. إنه شخصية تنطبق عليها عدة فئات: دحلان، الذي يتقن العبرية، كان رئيساً لجهاز الأمن الوقائي في غزة خلال حقبة أوسلو، ومعروف لدى النخبة الإسرائيلية، ويناسب مطلب “لا حماس ولا عباس” (في هذا السياق، ينبغي النظر إلى الاجتماع الاستثنائي بينه وبين رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك)، زيني، في الإمارات قبل نحو شهرين)؛ يُنظر إليه كبديل لأبو مازن من قبل مصادر دولية يئست من الزعيم البالغ 90 عاماً، الذي يعتبر دحلان عدواً لدوداً ونأى به وبأنصاره عن حركة فتح عام 2011 بعد أن اشتبه في أنه يقوضه؛ وهو يحظى بشعبية واسعة في العالم العربي، وخاصة في الإمارات، حيث يعيش ويُعتبر حتى فرداً من العائلة المالكة. يتمتع بنفوذ كبير نسبيًا في قطاع غزة، مسقط رأسه (في مخيم خان يونس للاجئين، مثل السنوار والضيف)؛ بل إنه يحافظ على علاقات وثيقة مع قيادة حماس، رغم عداء الحركة له، وزعمها أنه مسؤول عن مقتل العديد من عناصرها في الصراع الذي سبق سيطرتها على قطاع غزة عام 2007 (وهو فشل يُعزى إلى حد كبير إلى دحلان، الذي كان يُنظر إليه على أنه الرجل الأقوى في غزة).
أطلقت وسائل الإعلام الموالية لدحلان، وعلى رأسها قناتا “الكوفية” و”الغد” التلفزيونيتان من القاهرة، برنامجًا خاصًا هذا الأسبوع، عرضت فيه تقدم خطة التسوية على أنه تحول جذري. وتضمن البرنامج مقابلات عديدة مع شخصيات بارزة في معسكر دحلان ومعلقين سلطوا الضوء على جهوده، بالإضافة إلى مواطنين غزيين صُوّروا في مخيمات الخيام الضخمة وهم يقولون: “نحن معك يا أبو فادي، أنت من سيضع حدًا لمعاناتنا، وأنت مصدر أملنا. لم تتركنا ولم تخذلنا قط”. يوضح سفيان أبو زايدة، أحد قادة معسكر دحلان: “دحلان مفتاح الاختراق الذي حدث الأسبوع الماضي، ولم تكن كل هذه التحولات لتحدث لولاه”. ويتابع عماد محسن، المتحدث باسم معسكر دحلان المقيم في خان يونس: “يعلم الأمريكيون أن الترتيب في غزة يجب أن يستند إلى دحلان لأنه يتمتع بنفوذ عميق على الرأي العام، ومعرفة بالمنطقة، وتقارب مع جميع الفصائل”.
“تعرض دحلان لانتقادات لاذعة وشعر بإحراج شديد جراء عودة إسرائيل إلى القتال بعد إعلانه عن قرب وقف الهجمات”، يوضح سامر سنجلاوي، وهو شخصية سياسية بارزة في الضفة الغربية ومقرب من دحلان، في حديث له. ويضيف أبو زايدة: “هذه هجمات مستمرة تتجاوز بكثير ما تم الاتفاق عليه في وقف إطلاق النار لإزالة التهديدات المباشرة (بحسب الفلسطينيين، قُتل أكثر من 1200 شخص في الهجمات منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025). هذا هو السياق الذي دفع دحلان إلى نشر تغريدة حادة هذا الأسبوع زعم فيها: “أدركنا منذ البداية أن نتنياهو سيبذل قصارى جهده لإفشال الفرصة التي سعى إليها ترامب بالتعاون مع مصر وتركيا وقطر. ونقسم لشعبنا أننا سنعمل ليل نهار لوقف العدوان”. لم يستغرق الأمر سوى أقل من يومين حتى تباطأت الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، ثم توقفت تمامًا.
في غضون ذلك، يُعزز دحلان سلطته داخل غزة بخطواتٍ عديدة: يُكثّف جهود الإغاثية المدنية التي تُقدّم للجمهور عبر مؤسسة إماراتية تُدعى “الفارس الشهم”؛ ويُعمّق علاقاته مع شخصيات بارزة في المجتمع الغزي، لا سيما زعماء العشائر والقبائل؛ ويُحافظ على علاقات وثيقة مع الحكومة التكنوقراطية في القاهرة، التي يُؤيده الكثير من أعضائها. وفي الوقت نفسه، يسعى دحلان إلى تقويض فكرة عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة بأي شكل من الأشكال، مُقدّماً نفسه على أنه صاحب السلطة الحقيقية في المنطقة. وقد أوضح سمير مشهراوي، نائب دحلان، هذا الأسبوع: “هناك شكوك كبيرة حول رغبة السلطة الفلسطينية في لعب دور في إدارة القطاع، وقد فشلت حتى في الحد الأدنى المطلوب لمعالجة معاناة سكان المنطقة”.
💬 التعليقات (0)