لم يعد الاستعمار في القرن الحادي والعشرين يكتفي باحتلال الأرض أو السيطرة على الموارد. لقد أصبح أكثر دهاءً، لأنه اكتشف أن الطريق إلى إخضاع الإنسان لا يمر دائمًا عبر الدبابة، بل قد يمر عبر الشاشة. فالجيوش تستطيع أن تفرض سيطرتها على المدن، أما الخوارزميات فتستطيع أن تستوطن العقول، وأن تعيد تشكيل الرغبات والاهتمامات واللغة، بل وحتى الطريقة التي نفكر بها.
ولعل الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر كان من أوائل من تنبهوا إلى أن التكنولوجيا ليست مجرد أدوات محايدة، بل هي طريقة جديدة لرؤية العالم. فالإنسان، حين يبالغ في الاعتماد على التقنية، يبدأ بالنظر إلى كل شيء بوصفه موردًا قابلًا للاستخدام، حتى الإنسان نفسه. وما نشهده اليوم يؤكد هذه النبوءة؛ فلم يعد الفرد يُقاس بما يحمله من فكر أو معرفة أو خلق، وإنما بعدد متابعيه، وحجم تفاعله، وقدرته على جذب انتباه الآخرين. لقد تحولت القيمة الإنسانية إلى أرقام، وتحول الإنسان نفسه إلى "بيانات" تتنافس عليها شركات التكنولوجيا.
لكن الفيلسوفة حنة أرندت ذهبت أبعد من ذلك عندما تحدثت عن "تفاهة الشر". فهي لم تقصد أن الشر دائمًا يصنعه الأشرار، بل قد يصنعه أشخاص عاديون توقفوا عن التفكير النقدي، واكتفوا بالسير مع التيار. وهذه الفكرة تكاد تفسر جانبًا كبيرًا من عالم التواصل الاجتماعي اليوم؛ حيث يعيد الملايين نشر الشائعات، أو يشاركون حملات التشهير، أو يهاجمون الأشخاص، لا لأنهم مقتنعون، بل لأن الجميع يفعل ذلك. هنا لا يعود الترند مجرد ظاهرة إعلامية، بل يصبح آلة جماعية تلغي العقل الفردي.
أما المفكر الكوري الألماني بيونغ-تشول هان، فقد وصف عصرنا بأنه "مجتمع الإرهاق". لم نعد نعيش تحت سلطة من يمنعنا، بل تحت سلطة تدفعنا باستمرار إلى المزيد؛ المزيد من العمل، والمزيد من الإنتاج، والمزيد من الظهور، والمزيد من النشر. حتى الراحة أصبحت مشروعًا يجب توثيقه بصورة، وحتى الحزن تحول إلى منشور، وحتى الفرح يحتاج إلى بث مباشر. لقد أصبح الإنسان يعمل دون أن يشعر لصالح اقتصاد جديد، هو اقتصاد الانتباه، حيث تتحول كل دقيقة يقضيها أمام الشاشة إلى أرباح هائلة لشركات التكنولوجيا العالمية.
وفي فلسطين، تكتسب هذه التحولات بعدًا بالغ الخطورة. فنحن لسنا مجتمعًا يعيش في ظروف مستقرة، بل شعب يخوض معركة وجود يومية. ولذلك فإن معركة الوعي ليست ترفًا فكريًا، وإنما قضية أمن وطني. فمن السهل أن يدمر الاحتلال شارعًا أو بناية، لكنه لن يستطيع تدمير مجتمع يمتلك وعيًا نقديًا. أما إذا انهزم الوعي، فإن الهزيمة تصبح داخلية قبل أن تكون عسكرية.
لقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا تاريخيًا في نقل الحقيقة الفلسطينية إلى العالم. فمن غزة خرجت صور لم تستطع أكبر المؤسسات الإعلامية تجاهلها، ومن القدس خرجت روايات كسرت احتكار السردية، ومن جنين ونابلس والخليل خرجت أصوات صنعت رأيًا عامًا عالميًا أكثر تأثيرًا من بيانات الحكومات. لقد أثبت الفلسطيني أن الهاتف قد يصبح أحيانًا أداة مقاومة.
💬 التعليقات (0)