لم ترحل جدتي لأمي، الحاجة نعيمية أبو نعيم، امرأة من عائلة فحسب. رحلت مكتبة كاملة من أسماء الأرض، وذاكرة لم تكن تحتاج إلى خرائط كي تهتدي إلى الطريق.
ولدت عام 1942، قبل أن تقوم دولة الاحتلال بسنوات. كان عمرها أكبر من عمر الاحتلال نفسه، وكأن حياتها امتدت بين زمنين؛ زمن كانت فيه الأرض تنطق بأسمائها الأولى، وزمن حاول فيه الاحتلال أن يعيد كتابة الجغرافيا والتاريخ والذاكرة. لكن جدتي كانت تعرف حقيقة لا تدركها الخرائط؛ أن لكل حجر اسما، ولكل واد حكاية، وأن المكان لا يصير وطنا إلا حين يسكن في ذاكرة أهله.
لم تكن تحفظ أسماء الجبال كما يحفظها الجغرافيون في دفاترهم، بل كما تحفظ الأم أسماء أبنائها. كانت تعرف جبل درويش، وجبل قلصون، وجبل جبعيت، وجبل الخلة، وجبل سليم الذي كانت تسميه "جبيل البرد"، وجبل مدا، وجبل الدكة، وجبل القلع، وجبل الحجار. ولم تكن معرفتها تقف عند حدود قريتها، بل كانت تمتد حتى مشارف غور الأردن، حيث كانت تقرأ تضاريس الأرض كما يقرأ الآخرون كتاباً مفتوحاً. كانت تعرف مسالك الوديان، وعيون الماء، ومواسم القمح، وأماكن الظل، وتستدل على الطريق بذاكرة صنعتها آلاف الخطوات، لا الخرائط. كانت الأرض تعرفها كما تعرفها هي، وكأن بينهما عهداً قديماً لا يحتاج إلى كلمات.
قضت عمرها بين السفوح والتلال، تحصد القمح بيديها، وتجمع السنابل، وتعود محملة بتعب يشبه الكرامة. وكانت تؤمن، بفطرة الفلاحين، أن الإنسان لا يملك الأرض بقدر ما تنتمي الأرض إليه، وأن من يمنحها عمره تمنحه اسما، وهوية، وسبباً للبقاء.
واليوم، كثير من تلك الجبال التي مشت عليها أصبحت خلف الأسلاك أو تحت قبضة المستوطنين. الطرق التي كانت تسلكها كل صباح تحولت إلى مناطق مغلقة، والحقول التي كانت تمدها بالقمح صارت تحتاج إلى إذن من جندي كي يصل إليها أصحابها. في محاضر الجنود يكتبون: "منطقة عسكرية"، أو "أرض دولة"، أو "بؤرة استيطانية". لكنهم لا يكتبون أن امرأة فلسطينية كانت تعرف كل شبر في تلك الجبال قبل أن يعرفها الجنود على خرائطهم، وأن ذاكرتها كانت أصدق من كل الخرائط التي رسمها الاحتلال.
فالاحتلال لا يكتفي بمصادرة الأرض؛ إنه يحاول مصادرة اللغة أيضا. يبدأ بتغيير الاسم، لأنه يدرك أن الاسم ليس لفظا عابرا، بل تاريخ متراكم، وحقا أخلاقيا، وعلاقة تشكلت عبر أجيال بين الإنسان ومكانه. ولهذا يبدل أسماء الجبال والوديان والسهول، وكأنه يظن أن تغيير اللافتة قادر على تغيير الحقيقة. لكنه يغفل أن الحقيقة لا تسكن الحجر، بل تسكن الذاكرة، وأن الأسماء الحقيقية لا تكتبها سلطات الاحتلال، وإنما تكتبها أقدام الفلاحين، ومناجل الحصاد، وأصوات الأمهات وهي تنادي أبناءها للعودة من الحقول.
💬 التعليقات (0)