كان من الضروري اختراع الشعب اليهودي لتجسيد الخرافة؛ حيث يرى شلومو ساند أن "الشعب اليهودي" ككيان قومي موحّد ومستمر منذ العصور القديمة ليس حقيقة تاريخية ، ويستند في ذلك إلى غياب دليل على حدوث نفي جماعي لليهود من فلسطين، وإلى أن اليهودية التاريخية كانت جماعات دينية وثقافية متعددة لا أمة قومية واحدة، وإلى دور التحولات الدينية واعتناق شعوب مختلفة لليهودية، مثل الخزر وفق بعض الطروحات، في تشكيل جماعات يهودية لاحقة، كما يرى أن القومية اليهودية في القرن التاسع عشر أعادت صياغة مفاهيم المنفى والعودة والأرض، وحوّلت الذاكرة الدينية إلى سردية قومية حديثة تخدم مشروعًا سياسيًا؛ ومن هنا جاء وصفه للعملية بأنها "اختراع الشعب اليهودي.
في هذه الحالة لا يبقى السؤال مجرد سؤال تاريخي حول نشأة جماعة أو تطور هوية، بل يتحول إلى سؤال أوسع يتعلق بالطريقة التي تُصنع بها الشعوب، فالشعب ليس فقط مجموعة من البشر تجمعهم اللغة أو الجغرافيا أو المصالح المشتركة، وإنما هو أيضًا قصة مشتركة، وذاكرة جماعية، ورواية عن الماضي تمنح الحاضر معنى، وتجعل المستقبل يبدو امتدادًا لمسار بدأ قبل زمن طويل.
ووفق رؤية ساند، فإن السؤال المركزي لا يتعلق فقط باليهود وتاريخهم، وإنما بكيفية انتقال جماعات دينية وثقافية متفرقة إلى مفهوم الشعب القومي الحديث؛ فهل الشعب هو استمرار طبيعي لجماعات قديمة عبر الزمن، أم أنه في بعض الحالات يصبح بناءً تاريخيًا حديثًا يعيد ترتيب عناصر الماضي ليصنع هوية قادرة على العمل في الحاضر؟.
هنا تبدأ أهمية المقاربة مع سفر التثنية؛ ليس لأننا نضع كتابًا تاريخيًا بجوار نص ديني مشكوك في أصوله لنحاكم أحدهما بالآخر، وإنما لأننا نبحث في الأسئلة المتعلقة بالجماعة والأرض والهوية. فسفر التثنية يقوم بدرجة كبيرة على فكرة الجماعة التي تحمل قصة خاصة عن نفسها، وعلى علاقة هذه الجماعة بأرض ترتبط بهذه القصة؛ فالأرض في النص ليست مجرد مكان للعيش، وإنما تدخل في تكوين الهوية نفسها، والوعد يتحول إلى عنصر يربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
وتأتي أهمية مفهوم التذكّر الذي يحتل مكانة بارزة في التثنية؛ فالجماعة لا يُطلب منها فقط أن تعرف تاريخها، وإنما أن تحفظه وتبقيه حاضرًا في وعيها، لأن فقدان الذاكرة يعني فقدان جزء من الهوية، ولذلك يصبح التذكّر فعلًا يتجاوز الجانب الروحي ليصبح جزءًا من استمرار الجماعة نفسها، لكن العلاقة بين الجماعة والأرض في النص لا تتوقف عند تعريف الجماعة لنفسها، وإنما تمتد إلى تعريف الآخر. وهنا تظهر نصوص الحرب في سفر التثنية باعتبارها جزءًا من منظومة تحدد علاقة الجماعة بمن يقع خارج حدودها.
ففي الإصحاح العشرين من سفر التثنية ترد وصايا تتعلق بالحرب، حيث يقول النص عن المدن البعيدة: «حين تقرب من مدينة لكي تحاربها، نادها بالصلح. فإن أجابتك بالصلح وفتحت لك، يكون كل الشعب الموجود فيها تحت الجزية ويخدمك، وإن لم تسالمك بل حاربتك، فحينئذ تحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك تضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة فتغتنمه لنفسك».
💬 التعليقات (0)