هل سبق أن تعلمت لغة جديدة، ثم اكتشفت بعد أشهر أنك لم تضف إلى قاموسك كلمات جديدة فحسب، بل بدأت تندهش من أشياء لم تكن تراها من قبل؟ كأن اللغة لم تمنحك لسانا آخر، بل منحتك عينين أخريين تطلان على العالم برؤية مختلفة تماما.
نتوهم في معظم الأحيان أننا نستخدم اللغة كما يستخدم النجار مطرقته أو الرسام فرشاته، فنظن أنها مجرد أداة نخرجها حين نريد أن نعبّر، ثم نعيدها إلى مكانها بعد أن ننتهي. لكن الحقيقة أعجب من ذلك بكثير: فقبل أن نتكلم باللغة، تكون اللغة قد تكلمت بنا، وقبل أن نصف العالم، تكون اللغة قد رسمت لنا حدوده، وأخبرتنا بما يستحق أن يُقال وما يبقى حائرا في عتمة الوجود دون مسمى.
إن تسمية الأشياء ليست مجرد عملية تصنيف ميكانيكية، بل هي الفعل الأول الذي يخرج الأشياء من عتمة الهامش إلى ضوء الوجود. فالطفل حين يتعلم اسم طائر أو زهرة، لا يحفظ مجرد لفظ، بل يتشكل في ذهنه إطار من العلاقات، وتبدأ عيناه في ترتيب هذا العالم المتلاطم حوله في خانات من المعنى.
من السهل أن نتصور الأفكار كيانات مستقلة تحلّق في فضاء العقل، ثم تهبط على الكلمات كما يهبط الطائر على الغصن. غير أن الفلسفة قلبت هذه الصورة رأسا على عقب، فلم تعد اللغة مجرد وعاء للأفكار، بل أصبحت التربة التي تنبت فيها، والهواء الذي تتنفسه، والنافذة التي لا نرى العالم إلا من خلالها.
"حدود لغتي تعني حدود عالمي"
لودفيغ فتغنشتاين (من كتاب: رسالة منطقية فلسفية)
💬 التعليقات (0)