بين أوراق الشجر في الغابة البعيدة، يخترق الهدوءَ صوت نعيق مفاجئ، ويسود الهدوء مجددا. يعتقد البعض أن الهدوء هو ما يسيطر على أجواء تلك الطبيعة، لكنّ الحقيقة غير ذلك، فالغابة واحدة من أكثر بقاع الأرض توترا وترقبا لكل من وما يتحرك فيها. كل صوت أو لون يُرصد بدقة ويُحلل، فهو إما مفترس شرس لا يرحم، أو فريسة تسعى للفرار والتخفي.
هذا ما كشفته دراسة حديثة بدورية "تريندس إن إيكولوجي آند إيفولوشن" العلمية، إذ إن السلوك الحذر والمنظم ليس حكرا على البشر في صراعاتهم، بل تمارسه مجموعات الحيوانات البرية في بيئاتها الطبيعية لتفادي الصراعات مع المجموعات المنافسة من نفس فصيلتها وتأمين ميزة تضمن بقاءها.
حلل الباحثون مئات الأبحاث السابقة للخروج بإطار علمي موحد يصف السلوكيات الاحترازية التي تتخذها الحيوانات قبل حدوث أي مواجهة حقيقية. تقليديا، ركزت الأبحاث لعقود على ما يحدث أثناء المعارك بين الحيوانات أو بعدها مباشرة، لكنْ ركزت هذه الدراسة على التدابير المرنة الاستباقية التي تحدث في غياب الخصوم تماما.
يقول جوش أربون، أحد الباحثين الرئيسيين للدراسة، من كلية العلوم البيولوجية بجامعة بريستول، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "نرى أدلة عبر المملكة الحيوانية على جمع الحيوانات للمعلومات لمحاولة تقييم التهديد الذي يشكله المنافسون بشكل أفضل؛ أين هم؟ كم عددهم؟ وهل من المرجح أن يرغبوا في القتال؟ يمكن لهذه المعلومات أيضا أن تؤثر على كيفية تحرك المجموعات عبر المساحة واستخدام الموارد، مثل تقليل البحث عن الطعام وتجنب مناطق معينة. نرى أيضا تغيرات في السلوكيات الاجتماعية داخل المجموعات حيث يحاول الأفراد بناء علاقات أقوى مع حلفائهم للتأكد من أن مجموعتهم متماسكة وملتزمة تجاه بعضها إذا تم التقاء منافس وتفجرت معركة".
تقترح الدراسة مفهوما علميا جديدا يُسمى "مشهد صراع المجموعات"، وهو مفهوم يتشابه مع المصطلح البيئي المعروف بمشهد الخوف، والذي يوضح كيف تغير الحيوانات الضعيفة أماكن حركتها خوفا من المفترسات.
ولتبسيط هذا المفهوم، يمكننا تخيل كيف تتجنب مجموعة من قردة الشمبانزي بقعة معينة في الغابة لأنها تعلم أن هذه المنطقة تُعد خط تماس مباشرا مع مجموعة شمبانزي منافسة.
💬 التعليقات (0)