منذ الساعات الأولى التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تكن الحرب الدائرة في غزة وحدها هي موضع الصراع، فقد بدأت في الولايات المتحدة معركة أخرى على تفسير ما حدث: من أين تبدأ الحكاية؟ ومن الضحية؟ ومن المعتدي؟ وهل ما جرى في السابع من أكتوبر هو نقطة البداية، أم حلقة في صراع يمتد إلى عقود من الاحتلال والاستيطان والحصار؟
هذه المعركة على الرواية هي محور دراسة الباحث نادر داغر، أستاذ مساعد في جامعة أوستن بي بالولايات المتحدة، التي تقارن بين الطريقة التي غطى بها الإعلام الأمريكي السائد الحرب، والطريقة التي قدمها بها إعلام النشطاء المتضامن مع فلسطين. وترى الدراسة أن الخلاف بينهما يتجاوز اختيار الأخبار والمصطلحات إلى بناء سرديتين مختلفتين للحرب، تعكسان بدورهما علاقتين مختلفتين بالقوة والسلطة والسياسة الخارجية الأمريكية.
واعتمد الباحث على التحليل النقدي للخطاب، ودرس 60 مادة صحفية منشورة في ست وسائل إعلامية خلال الفترة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 19 يوليو/تموز 2025. ومثلت الإعلام السائد "نيويورك تايمز" و"سي إن إن" و"فوكس نيوز"، بينما مثل إعلام النشطاء "موندو وايس" و"بالستين كرونيكل" و"إلكترونيك انتفاضة"، بواقع عشر مواد من كل وسيلة. ولم تشمل العينة المحتوى المرئي، واقتصرت على الأخبار والتقارير والقصص والمقالات المكتوبة المرتبطة بالحرب وتطوراتها.
وتنطلق الدراسة من أن السرد الإعلامي لا يقتصر على نقل الوقائع؛ فالطريقة التي ترتب بها الأحداث، واللحظة التي تبدأ منها القصة، والأصوات التي تمنح مساحة للكلام، والصفات التي تطلق على أطراف الصراع، كلها تسهم في تحديد الكيفية التي يفهم بها الجمهور الحرب. وقد يؤدي حذف السياق التاريخي والسياسي إلى تقديم أجزاء من الحقيقة باعتبارها الحقيقة كاملة، وإعادة توزيع موقعي الضحية والمعتدي.
وفي الحالة الفلسطينية، ترى الدراسة أن هذه المسألة ترتبط بتاريخ طويل من السرد الغربي عن فلسطين وإسرائيل. فقد ساعدت سرديات من قبيل وصف إسرائيل بأنها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" و"الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة" في منح سياساتها شرعية سياسية، بينما ارتبطت المقاومة الفلسطينية في الخطاب الغربي بـ"الإرهاب ومعاداة السامية". وفي مقابل هذا التفوق السردي، نشأت وسائل إعلام يديرها نشطاء بهدف إتاحة مساحة لقضايا وأصوات لا تجد حضورًا مماثلًا في وسائل الإعلام الكبرى.
وجدت الدراسة أن الإعلام الأمريكي السائد بنى روايته للحرب في جانب مهم منها وفق تسلسل السبب والنتيجة: تبدأ القصة بهجوم حماس في السابع من أكتوبر، ثم تأتي العمليات العسكرية الإسرائيلية بوصفها ردًا على ذلك الهجوم.
💬 التعليقات (0)