مجرة الكواكب المبتلاه ،منذ أن بدأ الكون دورته الأولى، وقبل أن تعرف النجوم مواقعها في خرائط السماء، كان هناك قانون أقدم من كل القوانين ومرجعية أعلى من كل القوى، كيان يشرف على حركة الوجود بكل مكوناته. كان اسمه كيريوس، ولم يكن نجمًا بين النجوم، بل رمزًا للقوة العليا التي تعرف أسرار البداية والنهاية وترى ما لا تراه الكائنات. لم يكن يتدخل في كل لحظة، لأن الكون الذي يخلو من الاختبار يفقد جزءًا من معناه؛ فالابتلاء لم يكن دائمًا عقابًا، بل كان وسيلة تكشف حقيقة النجوم والكواكب، فبعضها يُختبر عندما يملك القوة، وبعضها عندما يواجه الضعف.
كانت الكواكب تعرف أن طريقها في هذا الكون ليس خاليًا من العواصف؛ فبعض الاختبارات تأتي من الطبيعة، وبعضها يأتي من نجوم قوية تعتقد أن قوتها تمنحها حق تحديد مصير الآخرين، وكان السؤال الذي يرافق كل محنة دائمًا: هل قيمة الكوكب بما يملكه من قوة، أم بما يحافظ عليه من معنى حين يواجه المحن؟ فالقوة في هذا الكون لم تكن امتيازًا مطلقًا، بل مسؤولية، وكلما ازداد ضوء النجم ازدادت الأسئلة حول الطريقة التي يستخدم بها نوره.
وفي إحدى المجرات البعيدة، كانت هناك كواكب صغيرة عُرفت باسم المخيمات. لم تكن الأكبر حجمًا ولا الأكثر قدرة، لكنها كانت تحمل ما هو أثمن من القوة؛ كانت تحمل الذاكرة. فقد كانت كل ذرة من ترابها تحفظ قصة، وكل زاوية منها تحمل أثر أجيال مرت فوقها وتركت جزءًا من حياتها فيها. ومع تعقّد شؤون هذه الكواكب، أنشأت المجرة حكومة مركزية أطلقت عليها اسم أنوروا، لتنظيم العلاقة بين الكواكب والنجوم وحماية التوازن، حتى لا تتحول قوة النجوم الكبرى إلى حق في ابتلاع الآخرين، لأن المجرة التي يحكمها ميزان القوة فقط تصبح مكانًا لا يعيش فيه إلا من يملك القدرة على فرض إرادته.
لكن التوازن في الكون لا يبقى ثابتًا إلى الأبد، فدائمًا تظهر قوى ترى أن النظام القائم لا يخدم طموحها، وأن القوانين التي تحمي الآخرين تقف عائقًا أمام ما تعتبره حقًا لها، ومن بين تلك القوى ظهر نجم البقرة الحمراء، نجم لم يكن يرى نفسه مجرد جسم سماوي في مجرة واسعة، بل كان يرى أنه يحمل رسالة خاصة، وأن له دورًا استثنائيًا في إعادة تشكيل الكون، لم يقل إنه يريد التوسع، بل قال إنه يعيد النظام، ولم يقل إنه يفرض إرادته، بل قال إنه ينفذ إرادة كيريوس، وهنا بدأت أخطر مراحل الحكاية، لأن السيطرة لا تبدأ دائمًا بالقوة المباشرة، بل تبدأ بصناعة رواية تجعل القوة تبدو وكأنها ضرورة، وتجعل الطموح يظهر وكأنه واجب، وتجعل من يرفضها يبدو وكأنه يعارض قانون الكون نفسه.
ولهذا أصبح اسم كيريوس حاضرًا في خطاب نجم البقرة الحمراء، حتى أصبح كثيرون في المجرة يتساءلون: هل من يرفع اسم كيريوس يحمل فعلًا إرادته، أم أنه يستخدم الاسم الأعلى ليمنح أفعاله شرعية لا يملكها؟ فالقانون الأعلى لم يكن يومًا مجرد أداة بيد الأقوياء، والعدالة لا تتحول إلى عدالة فقط لأن من يملك القوة قال إنها كذلك، وكانت الكواكب التي دخلت في طريق ذلك النجم ترى أن السؤال الحقيقي ليس فقط ماذا يفعل نجم قوي، بل كيف يمكن لنجم أن يقنع نفسه والآخرين بأن ما يقوم به ليس اختيارًا منه، بل قدر مكتوب في سجلات الكون.
وعندما بدأ ضوء نجم البقرة الحمراء يصل إلى كوكب جنين، أدرك سكانه أن مرحلة جديدة بدأت، لم يكن الخوف نابعًا فقط من قوة النجم، بل من الإحساس بأن ما يحدث ليس حادثة عابرة، بل جزء من مسار أكبر، وبعد جنين جاء الدور على كوكب نور شمس، ثم كوكب طولكرم، وكل كوكب كان يظن أن العاصفة التي وصلته هي نهاية الطريق، قبل أن يكتشف أن الطريق ما زال ممتدًا نحو كواكب أخرى.
💬 التعليقات (0)