لم تكن حرب غزة مجرد مواجهة عسكرية خلفت دماراً هائلاً في المكان والإنسان، ولم تكن محطة جديدة فقط في مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل شكلت لحظة تاريخية فارقة أعادت طرح الأسئلة الكبرى حول مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، وطبيعة النظام السياسي، وقدرة الشعب الفلسطيني على إعادة بناء ذاته ومؤسساته في ظل واقع جديد شديد التعقيد.
فبعد الحرب، لا تواجه فلسطين فقط تحدي إعادة إعمار ما دمرته من مدن ومنازل وبنية تحتية، بل تواجه تحدياً أعمق يتمثل في استعادة الفاعلية الوطنية والقدرة على الفعل السياسي وصناعة القرار والتأثير في مسار الأحداث. فإعادة إعمار الحجر ضرورة وطنية وإنسانية، لكنها لن تكون كافية إذا لم تترافق مع بناء مؤسسات وطنية قادرة على حماية هذا الإعمار ومنحه أفقاً سياسياً مستقراً.
فالمعركة بعد حرب غزة ليست فقط معركة إعادة إعمار الحجر، بل معركة استعادة القدرة الفلسطينية على صناعة القرار وصناعة المستقبل.
لقد كشفت الحرب أن استمرار الواقع الفلسطيني كما كان قبلها لم يعد ممكناً، وأن المعادلات السياسية القديمة لم تعد قادرة على الاستجابة للتحولات الجديدة. ولذلك فإن المطلوب ليس فقط إدارة الأزمة، بل الانتقال إلى مرحلة إعادة بناء الفاعلية الوطنية وتجديد أدوات العمل السياسي.
إن السؤال المركزي اليوم ليس فقط: كيف نعيد بناء ما دمرته الحرب؟ بل: كيف نحول هذه اللحظة التاريخية إلى فرصة لإعادة تأسيس المشروع الوطني وتجديده على أساس المعطيات الجديدة؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول آثار الحرب إلى حالة انهيار سياسي طويل، وأن تختزل القضية الفلسطينية في ملف إنساني وإغاثي، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية دون إجابة: من يمثل الشعب الفلسطيني؟ كيف تُبنى الشرعية؟ وكيف يستعيد الفلسطينيون القدرة على المبادرة وصناعة القرار؟
💬 التعليقات (0)