لم تعد الأزمة بين مدريد وتل أبيب تقتصر على تبادل الاستدعاءات الدبلوماسية أو الانتقادات السياسية، بل تحولت إلى واحدة من أكثر المواجهات حدة داخل القارة الأوروبية، بعدما انتقلت الحكومة الإسبانية من سياسة التوازن التقليدية إلى تبني مواقف غير مسبوقة ضد إسرائيل، شملت الاعتراف بدولة فلسطين، والانضمام إلى الدعوى المقامة أمام محكمة العدل الدولية، وفرض سلسلة من الإجراءات السياسية والاقتصادية ضد الحكومة الإسرائيلية.
وجاءت أحدث حلقات هذا التصعيد مع تصريحات شديدة اللهجة صدرت عن شخصيات بارزة في الحكومة الإسبانية، إذ وصفت وزيرة العمل ونائبة رئيس الوزراء يولاندا دياز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه "مجرم حرب" و"مرتكب إبادة جماعية"، بينما تعهدت وزيرة الشباب والطفولة سيرا ريغو بأن يظل ملاحقا من المحكمة الجنائية الدولية.
وتعكس هذه التصريحات، الصادرة عن مسؤولين في أعلى هرم السلطة التنفيذية، حجم التحول الذي طرأ على الموقف الإسباني، وتكشف أن الخلاف مع إسرائيل لم يعد خلافا دبلوماسيا عابرا، بل أصبح جزءا من رؤية سياسية تتبناها الحكومة الإسبانية تجاه الحرب على غزة والقضية الفلسطينية.
ورغم أن التوتر بلغ ذروته خلال الحرب على غزة، فإن جذور السياسة الإسبانية تجاه فلسطين وإسرائيل تعود إلى عقود طويلة.
ففي عهد الجنرال فرانسيسكو فرانكو، الذي حكم إسبانيا منذ عام 1939، سعت مدريد إلى توثيق علاقاتها مع الدول العربية لكسر العزلة الدولية المفروضة على نظامه، كما استندت إلى الإرث الحضاري للأندلس لتقديم نفسها باعتبارها الدولة الأوروبية الأكثر قدرة على فهم العالم العربي والإسلامي، وبناء جسور بين الشرق والغرب.
وفي هذا السياق، امتنعت إسبانيا عن الاعتراف بإسرائيل عند إعلان قيامها عام 1948، كما رفضت خلال خمسينيات القرن الماضي محاولات إسرائيل إقامة علاقات دبلوماسية معها، وهو موقف استمر حتى بعد وفاة فرانكو عام 1975.
💬 التعليقات (0)