لم تكن الطفلة فضة، ذات السنوات العشر، تبحث بين حجارة منزلها المهدّم عن لعبتها المفضلة فقط. كانت تلتقط ما بقي من طفولتها قطعةً قطعة، قبل أن تفاجئ الجميع بإجابة بدت أكبر من عمرها بكثير. حين سُئلت: هل هذه ألعابك هي الأهم؟ هزّت رأسها بالنفي، وقالت بثقة: "لا… الأرض هي الأهم، لأنها مزروعة بأشجار الزيتون. أرضنا التي يجب أن ندافع عنها، والمستوطنون يهاجمونها كل يوم." في كلمات فضة تختصر حكاية قرية المغير، شمال شرق رام الله؛ قرية لم تعد معركتها مقتصرة على حماية البيوت، بل أصبحت معركة يومية للدفاع عن الأرض وأشجار الزيتون في مواجهة هجمات المستوطنين، التي تصاعدت بصورة غير مسبوقة خلال العامين الماضيين. فمنذ سنوات، تتعرض المغير لسلسلة متواصلة من اقتحامات المستوطنين، تشمل إحراق المنازل والمركبات، وتخريب الممتلكات، والاعتداء على السكان، وتجريف الأراضي الزراعية، تحت حماية قوات الاحتلال، التي تؤمن الحماية للمهاجمين أو تشارك في الاقتحامات والإغلاقات العسكرية.
وخلال إحدى أوسع العمليات العسكرية التي شهدتها القرية، استمرت القوات الإسرائيلية عدة أيام في اقتحام المغير، وأغلقت مداخلها، وداهمت المنازل، فيما نفذت جرافات ضخمة عمليات تجريف واسعة واقتلعت آلاف أشجار الزيتون واللوزيات، في مشهد وصفه مسؤولو القرية بأنه غير مسبوق.
ووفق مجلس القرية وشهادات السكان، تجاوزت الاعتداءات مجرد التجريف، لتشمل تكسير المنازل والمركبات، وسرقة الممتلكات، واحتجاز واعتقال عدد من الشبان، ومنع سيارات الإسعاف من الوصول، بينما اضطر عشرات السكان إلى المبيت خارج القرية بسبب الحصار والهجمات المستمرة.
وتؤكد بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في عمليات الهدم والتهجير القسري، حيث نزح نحو 900 فلسطيني في عام 2025 بسبب هدم منازلهم، بينما وثق المكتب عشرات الهجمات على المزارعين، واقتلاع الأشجار، والاستيلاء على الأراضي الزراعية. كما وثق تنفيذ عملية عسكرية استمرت أربعة أيام في المغير تخللتها عمليات إغلاق واقتحام وتجريف واسعة.
ولا تقتصر أهمية المغير على موقعها الجغرافي، بل تمتلك آلاف الدونمات المزروعة بالزيتون، وهو ما يجعلها هدفًا دائمًا للتوسع الاستيطاني، خاصة مع وجود عدد من البؤر الاستيطانية المحيطة بها، التي يخرج منها المستوطنون بصورة متكررة لمهاجمة المزارعين ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم.
رحل المستوطنون بعدما هدموا الدار، واستولوا على الأرض، وحاولوا اقتلاع أصحابها من المكان. لكنهم لم ينتزعوا من فضة ما هو أبقى من الحجر؛ لم ينتزعوا يقينها بأن هذه الأرض لها. تشير الطفلة ذات الأعوام العشرة بيدها الصغيرة نحو البؤرة الاستيطانية المقامة على أراضي قريتها، وتشرح كيف تمددت عامًا بعد عام، وكيف تبتلع المزيد من أراضي المغير. تتحدث عن جغرافيا المكان وحدود الأرض وكأنها تحفظها كما يحفظ الأطفال أسماء ألعابهم.
💬 التعليقات (0)