للكتب والإبداع الأدبي والفني أرواح. كثير منها مدعاة للسأم، فاللقاء الأول قد يكون الأخير. هذا الكثير ركام من السطور، كلام كالكلام، مسطح، أحادي البعد، لا ينطوي على جديد يثير الدهشة، فاتر يُخمد روحك ولا يستفزك، لغته رماد الروح المنطفئة لكاتبه.
أما القليل من الكتب فجاهز للصحبة، مرشح لصداقة دائمة، تتكرر ولادته، طاقته لا تنفد ولا تتبدد، يدخر أرصدة لتحفيز الهمة، يُحيلك إلى كتب وفنون أخرى. بهذه الروح، أتعامل مع كتاب "كيف تتم كتابة السيناريو"، تأليف إنجا كاريتنيكوفا، إذ أعتبره نافذة على الكلاسيكيات، أكبر من مجرد رسم التصور العام للأفلام.
كل كتاب أو فيلم يكتفي بذاته لا يُعوَّل عليه، فهو تجربة عارضة تُسقطها ذاكرة تحتفي بالباقي الذي لا يغادرها. الفيلم الأجمل يستبد استبدادا مختارا، يدعوني إلى مشاهدة أعمال أخرى. والكتاب الجيد أنتهي منه بقائمة كتب تستحق القراءة، وأفلام تفضي إلى أفلام، فأسعد بمتاهة المشاهدات. وحين أعيد قراءة الكتاب نفسه أمضي في المتاهة نفسها، مع اختلاف في نقطة البدء أحيانا، ولا أنتظر الوصول إلى نهاية.
وحكايتي مع كتاب "كيف تتم كتابة السيناريو" تستحق أن تُروى من زاوية محددة، فالمؤلفة لا تقدم كتابا في النقد السينمائي أو الثقافي البحت، بل تتوقف بدقة منهجية شديدة أمام عناصر أساسية في كتابة السيناريو، ومن غير قصد أدخلتني المتاهة.
لا تنتهي صلاحية الكتاب الجيد، إذ أقرؤه في أي وقت كأنه صدر الآن، تحمل صفحاته طزاجة الخروج من المطبعة، كأن يدا لم تلمسه، وكأنها قراءتي الأولى. لا أظن أن لدينا، في العالم العربي، عملا يشبه كتاب "كيف تتم كتابة السيناريو".
في سطوره الأولى، تؤكد المؤلفة أن "بناء" الفيلم مسؤولية كاتب السيناريو، فهو أول من يتخيل الفيلم ويضع تصورا له. والسيناريو الجيد، وإن لم يستهدف القارئ، يُقرأ كنص كتابي. أرى كتاب إنجا كاريتنيكوفا نصا أدبيا ممتعا للقارئ العام، فضلا عن كونه موجها ومفيدا للسينمائي، سواء كان طالبا أو ناقدا أو مخرجا، وذلك عبر تحليل 8 سيناريوهات كلاسيكية وتخصيص فصل لكل عنصر إبداعي يميزها.
💬 التعليقات (0)