يقدم الكاتب الأردني جميل قموه في كتابه "أوراق رجل مغمور"، تجربة مختلفة في كتابة السيرة الذاتية، إذ يبتعد عن السرد التقليدي للأحداث ويمزج ما بين السيرة الشخصية وأدب الرحلات والتأملات الفكرية والاجتماعية، في محاولة لاستعادة ذاكرة الإنسان العادي البعيد عن دائرة الضوء.
ويؤشر عنوان الكتاب الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" بالأردن (2026) في نحو 250 صفحة، إلى فكرة أن "الرجل المغمور" هو رمز لآلاف الأشخاص الذين أسهموا في بناء المجتمع، لكن أسماءهم لم تجد طريقها إلى كتب التاريخ. من هنا يقدّم قموه أوراق حياته بوصفها جزءاً من الذاكرة الجمعية، وتجربة إنسانية تتقاطع مع تحولات المجتمع الأردني والعربي عبر عقود ممتدة.
وذكر قموه في مقدمة الكتاب أن هذه الأوراق ليست مذكرات بالمعنى التقليدي، وإنما "مجموعة أوراق متداخلة ومتنوعة" تحكي واقعاً يراوح زمنه مع الحياة وفي الحياة وعن الحياة، بما تحمله من أفراح وأحزان، ونجاحات وإخفاقات، وصعود وهبوط، وذكريات الطفولة والشباب وما تلاها من تجارب، وهي أوراق تردّد صاحبها طويلًا قبل نشرها، ثم انتصر على تردده وقرر توثيقها حفاظًا على الذاكرة الفردية والجماعية.
ويرى قموه أن التاريخ ليس حكراً على أصحاب السلطة أو النفوذ أو الشهرة، بل إن المغمورين يمتلكون بدورهم تاريخاً يستحق أن يُكتب ويُقرأ لأنهم يمثلون الجانب الصامت من حركة المجتمعات، ومن هذا المنطلق يعلن في مقدمته أن كتابه محاولة لمنح هؤلاء صوتاً، واستعادة حضورهم في الذاكرة، بعيداً عن ثقافة تمجيد الأبطال وإهمال أولئك الذين عملوا بصمت.
ولا يقدّم قموه نفسه كبطل استثنائي، بل إن أكثر ما يميز مقدمته هو نبرة التواضع والاعتراف، فهو يؤكد أنه يكتب، إلى جانب الرغبة في تقديم ما يستهويه، ليبحث ويستذكر، وليتعرف من جديد إلى حياة آبائه وأجداده، وليفهم الكثير من الأحداث التي مر بها ولم يدرك معناها إلا بعد زمن، مشيراً إلى أن المسافة الزمنية تمنح الكاتب قدرة أكبر على الاقتراب من الحقيقة، ومستشهداً بقول الكاتب المصري الراحل جلال أمين حول أن الابتعاد عن الحدث يجعل الإنسان أكثر قدرة على قول الحقيقة كاملة.
وتكشف سطور الكتاب عن حضور واضح للفكر التأملي، إذ تتجاوز السرد الشخصي إلى مناقشة قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية، من بينها العلاقة بين السلطة والإنسان البسيط، وإشكالية تهميش أصحاب الإنجازات الحقيقية، والدور الذي تلعبه الشهرة في صناعة التاريخ، مقابل تغييب العاملين في الظل. وفي هذا السياق يؤكد الكاتب على أن الإنجازات في المجتمعات كثيراً ما نسبت إلى أصحاب المناصب، بينما بقي أصحاب الجهد الحقيقي بعيدين عن الاعتراف، داعياً إلى إعادة النظر في مفهوم البطولة والنجاح.
💬 التعليقات (0)